تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والتي فيها صدر

الإعلان العالمي عن حقوق الإنسان . وظهرت النزعة الإنسانية

Humanism

فلماذا وضع الدين والدهرية على طرفي نقيض والإنسان يجمعها كما جمع الصوفية بين الله والإنسان في الإنسان الكامل؟ (2)

يقين كل متدين أن أمته أشرف الأمم، وكل مخالف له فهو على باطل مما يدفع إلى التنافس بين الأمم. ولماذا يغفل الأفغاني أن هذا الاعتقاد قد يؤدي إلى التعصب وحروب الأديان، والعنصرية والصهيونية والحروب والمنازعات؟ ولماذا لا يكون النموذج، المساواة بين الأمم والتفضيل بينها في الخيرات

ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات ،

وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ؟ (3)

الحياة الدنيا ممر للحصول على كمال المعاد في عالم أوسع وأرحب. تدفع إلى التزود بالمعارف بعيدا عن الجهل، والارتقاء في العلم، والتقارب بين الأمم، والترابط بينها بالمحبة وإلا وقع الإنسان في الكذب والنفاق والحيل والخداع والرشوة والاختلاس، واقتصر على الحس والحرص والشره والغدر والاغتيال وهضم الحقوق والجدال والقيام بدور الجلاد.

28

وواضح خلو هذه العقائد الثلاث من الإيمان بالله، بل تكتفي بالإيمان بالإنسان والجماعة والمعاد، وأن العقائد ليس لها صدق في ذاتها بل هي وسيلة لتحقيق الخير للفرد والجماعة وتقدم التاريخ. تعبر عن روح إشراقية وثنائية متطهرة، الصعود إلى أعلى في الخلاص والهبوط إلى أسفل في السقوط.

وهناك أيضا خصال ثلاث تتوارثها الأمم، وتطبع النفوس بطابع الدين، فالأخلاق أساس الدين، والدين يقوم على الأخلاق كما هو الحال في النزعات المثالية. وهذه الخصال، وتعني الفضائل هي: (1)

الحياء. وهو انفعال النفس من إتيان ما يجلب اللائمة والتوبيخ. ويلزم عنه شرف النفس. وكل أمة تفقد الغيرة والإباء تحرم من الترقي. وبه تتم روابط الألفة بين آحاد الأمة. وبدونه تقع في الفحشاء والشهوات البهيمية. وواضح أن هذا التعريف غير جامع مانع، يساوي بين الحياء وشرف النفس والغيرة. ويجعله سببا للترقي، والتقدم له أسباب عديدة. ويربطه باللائمة والتوبيخ معه أنه قد يرتبط برؤية الحسن والجميل. (2)

الأمانة. وهي أساس المعاملات والمعاوضات في الأعمال. والأمة في حاجة إلى حكومة جمهورية أو ملكية مشروطة أو مقيدة. والحكومة في حاجة إلى رجال أمناء يقومون بالأعمال، يجمعون الكلمة، ويمنعون الاعتداء دون استعلاء على أحد. ويعطي الأفغاني هنا معنى اقتصاديا سياسيا للأمانة وليس معنى أخلاقيا نفسيا كما أعطى للحياء. كما أن فكره يقوم على دور. تحتاج الأمانة إلى حكومة وتحتاج الحكومة إلى أمانة. (3)

الصدق. نظرا لأن الإنسان كثير الحاجات منح خمسة مشاعر، هي الحواس الخمس، فإنها كلها لا تعمل إلا بالصدق. فالكاذب يرى البعيد قريبا والقريب بعيدا، والنافع ضارا والضار نافعا. الصدق إذن شرط عمل الحواس، وأساس مبدأ التحقق. يقوم الصدق عند الأفغاني بدور معرفي، صدق عمل الحواس، وتتأسس عليه الأخلاق. وهو نفس المقياس النفسي الأخلاقي في تعريف الحياء.

29

ولا يبين الأفغاني إذا كانت هذه الخصال في بدايتها فطرية أو مكتسبة. ويكتفي بالقول بأنها متوازنة بين الأمم. فهي مكتسبة من حيث التربية دون توضيح عمن اكتسبها الإنسان الأول؟ ولا يبين هل هي خصال فردية أو جماعية؟ هل هي عند كل الأفراد والشعوب أم أن هناك فروقا فردية فيها؟ ولماذا اختار الأفغاني هذه الخصال الثلاث واستبعد غيرها؟ وما الدليل العقلي والنقلي على اختيارها دون غيرها؟ كما تبدو أحيانا متداخلة فيما بينها من حيث الوظائف الاجتماعية، بل ومتداخلة مع غيرها. ميزتها أنها أحيانا تقوم على تفسير نفسي اجتماعي تاريخي كما يفعل علماء النفس والاجتماع والتاريخ.

ولما كانت الفضيلة وسطا بين طرفين، وكانت الحكمة المحافظة على الهيئة المتوسطة، والفضائل هيئات متوسطة بين خلتين ناقصتين خصص الأفغاني مطلبا في الوسائل التي يمكن أن تلزم النفس حدود العدل. فكل فرد في فطرته شهوات تحيل إلى مشتهيات. والأولى دافع للحصول على الثانية، وهو ما يسمى في الظاهريات الشعور باعتباره ذاتا

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٢٦