23
ويخصص الأفغاني فقرة خاصة لمورمون. وهو أيضا من دعاة الطبيعة. ظهر في إنجلترا وأمريكا. وادعى أنه ملهم من الطبيعة. يقول بالإباحة والاشتراك للمؤمنين بالطبيعة دون غيرهم. ودعا كل مؤمن إلى الاجتماع مع كل مؤمنة. فالزواج شركة، والنبوة اشتراك. وهي الدعوة المنتشرة الآن في أمريكا في يوتا، والتي تسمى الطائفة باسمه.
24
وينهي الأفغاني هذا النقد النظري العملي بالإعلان عن أساس النقد
مطلب في مضار إنكار الألوهية .
25
فالدهرية تنكر الألوهية والمعاد مما يؤدي إلى إنكار الأخلاق فتنهار الأمم. كلما انتشر المذهب فسدت أخلاق الأمة. اختلت العقول، وتملكت الحيل من القلوب وألوان التلبيس حتى تعم الرذائل وعبادة الشهوات وارتكاب الخيانات حتى تنقرض الأمة أو تستعمر وتستعبد. أخفى البعض المقصد الأصلي وهو الإباحة والاشتراك، واكتفى بإنكار الألوهية وجحد المعاد تحت شعار حرية الفكر وهو ما يؤدي إلى فساد الحياة الاجتماعية وزعزعة أركان المدنية. ولا يمكن الجمع بين الدهري والأمانة والصدق وشرف الهمة وكمال الرجولة. وكثير من خاطرات جمال الدين تعبر عن هذا النقد الديني للدهرية، مثل:
كيف لا يفضل أضعف حيوان ناهق يذكر الله إنسانا ناطقا ينكر وجود الله؟
فإذا ما تم إنكار الألوهية فإن الإنسان يعبد هواه
يكفر الإنسان في كل شيء لا يرضاه ويعبد كل شيء يهواه . والاعتقاد بالألوهية هو الذي يؤدي إلى الاعتقاد بالمعاد، وبالتالي نيل السعادة الأبدية
من اعتقد أن لا حياة إلا هذه الفانية فقد خسر الأولى والثانية . فالسعادة لا توجد في هذه الحياة الدنيا بالرغم من أنها ضالة البشر
السعادة في الدنيا ضالة البشر. وإذا وجدها أحد قلما يدل عليها. ولا أظنها من موجودات هذا العالم الفاني .
26 (3) البديل الديني الأخلاقي
إذا كان الرد على الدهريين ونقد الدهرية نظريا وعلميا يمثل الجانب السلبي فإن البديل الديني الأخلاقي هو الجانب الإيجابي الذي يقدمه الأفغاني، وهو متضمن أيضا في الجانب السلبي. إنكار الدين سبب السقوط وإثبات الدين طريق الخلاص. الدين قوام الأمم، وبه خلاصها وسعادتها ومستقبلها في مقابل النيتشرية وهي
جرثومة الفساد وأرومة الأداد ، أي مصدر الأمور الفظيعة، وسبب خراب البلاد وهلاك العباد؛ فالدين والنتيشرية على طرفي نقيض كالحق والباطل، الخير والشر، الصلاح والفساد، الفوز والهلاك. والإنسان ظلوم جهول هلوع جزوع.
إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا . لذلك أتاه الدين لإكماله كي يتمسك بأصوله وتربيته على الخصال المتوارثة حتى تشرق العقول بالمعارف، وتهتدي إلى السعادة، ويقيم البشر المدنية ويحافظوا على ثباتهم وبقائهم.
27
لقد أفاد الدين ثلاث عقائد وثلاث خصال. وأكسبها عقول البشر. وهي أساس قيام الأمم وعماد بنيتها الاجتماعية، وقوام مدنيتها، وشرط تقدمها ورقيها ونيل سعادتها لإبعاد النفوس عن الشر ومفارقتها للأجساد، ويبعدها عما يهدد البقاء ولها آثار جليلة على المجتمع البشري ومنافع المدنية والروابط بين الأمم وبقاء النوع والمسالمة بين الأفراد ورقي الأمم. وهذه العقائد الثلاث هي: (1)
الإنسان ملك أرضي، أشرف المخلوقات، من أجل رفع الإنسان من الخصال البهيمية، وسموه إلى العالم العقلي، وتجاوزه شريعة الغاب. وهو ما يتفق مع القرآن، في اعتبار الإنسان خليفة الله في الأرض، أعظم المخلوقات بتحمله الأمانة بعد أن رفضتها السموات والأرض والجبال وأبين أن يحملنها وأشفقن منها. وهذه العقيدة لا تبتعد كثيرا عن مقصد الدهرية باعتبارها الإنسان مركز الكون وآخر درجة في سلم التطور، وما تزهو به الحضارة الغربية منذ عصورها الحديثة والتحول من التمركز على الله
Theocentrism
إلى التمركز حول الإنسان
Anthropocentrism