19
واضح من هذا العرض أيضا أن الدهرية هي الشماعة الوحيدة التي تعلق عليها أخطاء البشر، والعامل الأوحد في انهيار الأمم. ويعتبر الأفغاني الباطنية من الدهرية مع أنهم من غلاة الروحانيين، فالمادة لديهم روح، وأقرب إلى النزعات الصوفية الإشراقية. كما يرى أن التنزيه طريق لإنكار الألوهية مع أنه إثبات لها دون تجسيم أو تشبيه. كما يتبنى تصورا آليا لحركة التاريخ، وكأن العودة إلى الأخلاق مفتاح سحري يقلب الهزيمة نصرا، والسقوط نهضة، ويصحح ما فعلته الدهرية، الشر الكامن في كل عصر. (4)
الأمم الشرقية: ويعني الأفغاني بالأمم الشرقية شمال العراق، منطقة كركوك. فقد أنكر الدهريون هناك الألوهية. وظهروا في لباس المهذبين. ولونوا الظواهر بألوان المحبة. وادعوا طلب الخير للأمة وهم حملة العلم والمعرفة بما حفظوا من كلمات ناقصة. ولقبوا أنفسهم بالهادين وهم أهل غباوة ورذيلة. يستعملون العقل والمعرفة في تبين وجوه الغدر والاختلاس. تسودهم الشهوة وحب الدنيا.
20
ولا يعطي الأفغاني جديدا في هذا الوصف، ولا يبين كيف قامت الدولة بالإيمان وانهارت بالدهرية. هم أقرب إلى الشيعة الباطنية بهذا الوصف ولا يمثلون أمة جديدة يضرب بها المثل. (5)
الأمة العثمانية: ويفرد الأفغاني نموذجا من الأمة العثمانية وكأنها ليست جزءا من الأمة الإسلامية. ويعتبر الدهريين سبب خيانة العثمانيين لصالح الروس. يعدون أنفسهم أبناء العصر الجديد. فالإنسان حيوان، والأخلاق ضد الطبيعة، وضعها تحكم العقل وتطرف الفكر. أنكروا الشرف والحياء والأمانة والصدق والعفة والاستقامة، فجلبوا المذلة على الأمة.
21
وهذا أقرب إلى الهجاء منه إلى النقد، والدعاية المضادة منه إلى التحليل العلمي الرصين. (6)
الشعب الفرنسي: له النصيب الأوفر من الأصول الستة. فرفع منار العلم والصناعة بعد الرومان حتى ظهر فولتير وروسو يزعمان حماية العدل ومغالبة الظلم، وإنارة الأفكار، وهداية العقول. فنبشا قبر أبيقور الكلبي، وأحيوا الدهريين الذين نبذوا كل تكليف ديني، وغرسوا الإباحة والاشتراك، وجعلوا الآداب خرافية، والأديان مخترعة بسبب نقض العقل الإنساني، وإنكار الألوهية والتشنيع على الأنبياء. خطأهم فولتير، وسخر منهم، وقدح في أنسابهم، وعاب رسالتهم ومع ذلك دخلت الأباطيل نفوس الفرنسيين، ونالت من عقولهم، فنبذوا المسيحية، وتحولوا إلى شريعة الطبيعة، وألهوا جمال النساء في محراب الكنيسة. وكل ما في الطبيعة من آثارها وليس من الله. وكانت تعاليم الدهريين سبب اندلاع الثورة الفرنسية التي فرقت أهواء الأمة وأفسدت أخلاق الناس. فاختلفوا وانقسموا. وانغمس كل فريق في شهوته، وأعرض الجميع عن المنافع العامة. واختلت سيادتهم الخارجية. وحاول نابليون الأول إعادة المسيحية ولكنه لم يستطع محو الأضاليل، فظلوا مختلفين إلى الآن. قالوا بالاشتراكية ومذهب الكمون، نسفوا كل عمران على أرض فرنسا.
22
وواضح أن الأفغاني هنا أيضا يضع فولتير وروسو مع الدهريين وهما من أنصار التأليه الطبيعي
Deism . كما يعارض فلسفة التنوير ويرفض الثورة الفرنسية، ويضع نفسه مع المشايخ المعممين مما يجعل موقفه النظري أقل جرأة ونقدا من مواقفه العلمية، ويمثل خلفا بين النظر التقليدي والعمل الثوري.
ويخصص الأفغاني جزءا خاصا لدحض مطلب السوسيالست (الاجتماعيون)، والنهيلست (العدميون) والكومونيست (الاشتراكيون) مستعملا اللفظ المعرب كأساس واللفظ المترجم كفرع. وهم صنوف من الدهرية في الأمة الفرنسية. تزين الظاهر وتدعي الدفاع عن الضعفاء والمطالبة بحقوق المساكين والفقراء. وكل طائفة لها غاية مخالفة. ولكنها تشترك جميعا في رفع الامتيازات الإنسانية، وإباحة الكل، واشتراك الكل في الكل، وسفك الدماء، وتخريب العمران، وإثارة الفتن. المشتهيات في الأرض منحة من الطبيعة ومن فيضها للتمتع بها دون اختصاص واحد بها دون الآخر. الدين والملك عقبتان عظيمتان ضد الطبيعة، أي الإباحة والاشتراك. والحل هو القضاء على السلطتين الدينية والسياسية، قتل الأغنياء، وإنشاء المدارس تحت ستار المعارف والبداية بالتربية، إشارة إلى روسو. وهي في النهاية طوائف تؤدي إلى انقراض المجتمع البشري، وواضح أن الأفغاني قد وقع ضحية التفسير الرأسمالي للدين، وينقد الاشتراكية والاجتماعية، ويخلط بينهما وبين الشيوعية والعدمية. يرى العيب في نقد الامتيازات والقضاء على الإقطاع وملاك الأراضي، ونقد السلطتين الدينية والسياسية!