تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17

بهذا العرض الخطابي الإنشائي يحمل الأفغاني تبعة انهيار الحضارة اليونانية إلى عامل وحيد، ومذهب أوحد هو المذهب الطبيعي. والتاريخ لا يتحرك بعامل واحد بل بمجموعة من العوامل الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. كما أن ما يعرضه الأفغاني ليس كله شرا، مثل أن الإنسان سيد المخلوقات، خلق الكون لتسخيره له، وأن هناك حياة بعد الموت كلها سعادة دون شقاء، وأن الإنسان مكلف على الأرض، وأن نظام الطبيعة عادل، وأن الإنسان قادر على السيطرة على رغباته وانفعالاته، وأنه لا يجوز تحريم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق. وهل من مظاهر السيادة استيلاء اليونان على فارس والهند والروم ومصر؟ (2)

الأمة الفارسية: كانت للأصول الستة فيها، نسق الأفغاني الديني الأخلاقي، أعلى مكانة أحقابا طويلة حتى وصلوا إلى درجة عالية من الشرف. تمثلوا الصدق والأمانة فكان أول تعليم ديني عندهم دون كذب وكما عرضت لذلك الشهنامة. وامتداد الملك حتى ظهر مزدك الفيلسوف الدهري، وادعى أنه أتى لرفع الجور والظلم. فنزع منهم الخصال، وادعى أن كل القوانين الموضوعة تؤدي إلى الظلم، وقائمة على الباطل، وأن الشريعة الدهرية هي الباقية لا تنسخ، وموجودة عند الحيوانات. فقد جعلت الطبيعة حق الطعام والشراب والبضاع مشاعا بين الناس دون تخصيص. فلماذا يحرم الإنسان نفسه ما أحلت الطبيعة باسم الشريعة والأدب؟ وبأي حق تكون الملكية خاصة وهي مشاع بين الناس؟ ولماذا حظر النساء والميل لواحدة دون الأخرى، والأنثى للذكر والذكر للأنثى؟ البيع والشراء اغتصاب وظلم، وتطبيق حد السرقة على الفقير المحروم. القوانين جائرة تمنع كل شيء، والطبيعة محررة تبيح كل شيء. شاعت هذه التعاليم فعم الغدر والخيانة، وانتهى الحياء، وغلبت الدناءة والسفالة، وسادت الصفات البهيمية. فقتل أنو شروان مزدك وشيعته. ولكنه لم يقض على أفكارهم التي علقت بالعقول حتى هاجمهم العرب وانهزموا مع الروم.

18

وواضح من هذا العرض المبسط تفسير الحركات الاجتماعية والسياسية الفكرية بعامل واحد هو العامل الأخلاقي، وأن الحياة قبل المذهب الطبيعي كانت جنة وانقلبت بعد ظهوره إلى نار في ثنائية تطهرية بين الحق والباطل، الخير والشر، الصواب والخطأ، العلم والجهل. كما أنه ينكر أي ثورة تقوم على الظلم والجور، تلك الثورة التي لم تقم في عهد البراءة الأولى قبل الدنس والخطيئة في المذهب الطبيعي. كما أن نقد تطبيق حد السرقة على الضعيف وترك الشريف حديث عن الرسول. ولماذا الدفاع عن الملكية الخاصة والإسلام أقرب إلى الملكية العامة لما تعم به البلوى؛ كالماء والكلأ والنار! وما العيب في نقد التجارة وأخلاق التجار كما فعل ابن خلدون؟ وهل القتل وسيلة التعامل مع المفكرين؟ (3)

الأمة الإسلامية: جاءتها الشريعة، وعلمتها هذه العقائد والخصال، فبسطوا سلطانهم على الأمم في الشرق والغرب، كسرى وقيصر. والباقي دفع الجزية. ثم ظهر الطبيعيون في القرن الرابع بمصر تحت اسم الباطنية وخزانة الأسرار الإلهية، وانبثوا في كل أرجاء العالم الإسلامي خاصة في إيران. ودلسوا على المسلمين عن طريق إثارة الشك في القلوب حتى يضعف الإيمان، والإقبال على الشاك في حيرته ليمنوه بالنجاة وهدايته، وخداعه بدعاتهم للتشكيك في الشريعة بأن لها ظاهرا وباطنا، الظاهر للمحجوبين والباطن للمستنيرين، ثم إسقاط التكاليف عن المستنيرين والوقوع في الإباحية والشك في الحلال والحرام، والصدق والكذب، والأمانة والخيانة، والفضائل والرذائل. هي مجرد ألفاظ لمعان مخيلة وليس لها حقيقة واقعية. وأفكار الألوهية والإقرار بالمذهب الطبيعي عن طريق التنزيه، فالله منزه عن المخلوقات، لا موجود ولا معدوم. وإثبات الاسم وإنكار المسمى سفسطة، بالإضافة إلى قتل معارضيهم الذين يكشفون أمرهم، والجهر بالآراء بعد التمكن من السلطة، وإبطال التكاليف، ورفع الأحكام الظاهرة والباطنة. فالقيامة من القائم بالحق، فقاموا بالتأويل. أصبح الكمال نقصا والنقص كمالا. انحل الإيمان، وانتهت السعادة، وفسدت الأخلاق، وعم الجبن والخور والخوف والكذب والمنافع الشخصية والخيانة والشهوات البهيمية حتى أتى الاستعمار الفرنسي على سوريا. فلم يستطع الناس المقاومة. فقتل الأبرياء، حوالي مائتي عام أثناء الحروب الصليبية، مع أن الإفرنج كانوا خائفين من المسلمين قبل أن تفسد عقائدهم. ثم قام أوباش التتر والمغول مع جنكيزخان، واخترقوا بلاد المسلمين، وهدموا المدن. كل ذلك بسبب تفشي تعاليم الدهريين والقضاء على الأخلاق الإسلامية الراسخة في القلوب. فكانت أسباب السطوة الغربية على البلاد. ثم عادت الأخلاق الإسلامية، وطردت الأمم الإفرنجية من سوريا، وصدوا هجمات جنكيزخان ولكن دون العودة إلى مكانتهم الأولى. وكان ذلك بداية الانحطاط منذ الحروب الصليبية أي منذ تفشي الآراء الباطنية الدهرية كسم قاتل.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٢٣