تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

14

ويتبع النيتشريون في تحقيق غاياتهم عدة مسالك وطرق، أهمها: (1)

الجهر بالمقاصد صراحة في حالة الاطمئنان، واستعمال الرمز والإشارة والكنية والتلويح والتدليس في حالة السطوة وكأنهم فرقة باطنية شيعية صوفية. (2)

العمل على هدم النسق الأخلاقي المسدس عند الأفغاني، كله أو بعضه، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة أو إبطال لوازمه وكأن الغاية من المذهب إبطال الأخلاق. (3)

الاكتفاء بأفكار الصانع، وجحد الثواب والعقاب لإفساد باقي العقائد مع أن العقائد الثلاث عند الأفغاني، الإنسان أشرف المخلوقات، الأمة أشرف الأمم، كمال الإنسان نحو المعاد ليس من بينها إثبات وجود الله، وإن كان متضمنا في المعاد. (4)

تزيين الإباحة والاشتراك وتحسينهما وتزيينهما لاستمالة النفوس وهو تكرار للقصد بحيث لا يبدو الفرق واضحا بين الغاية والوسيلة، كما أنه تصور شعبي للاشتراكية وتشويه لها من خلال الإعلام الغربي ونظم الحكم التسلطية الرجعية. (5)

القيام بأعمال جاهلية تأنف منها الطباع وتأباها الشرائع الإنسانية، مثل اغتيال معارضيهم والغدر بهم والفتك بآلاف الأرواح البريئة وإراقة الدماء الشريفة بالحيلة والمكر. وهي أساليب لا ترتبط بالطبائعيين بالضرورة، تستغلها كل القوى السياسية التسلطية للتخلص من الخصوم رأسمالية أو اشتراكية. وممارسة العنف ظاهرة اجتماعية لها أسبابها في بنية المجتمع، العنف القاهر الذي يولد العنف المحرر.

15

وواضح من هذا الوصف السلبي للوسائل التي يتبعها النيتشريون لتحقيق مقاصدهم التصورات الشائعة في الثقافة الشعبية تحت أثر أجهزة الإعلام الغربية الرأسمالية أو العربية الإسلامية الخاضعة للنظم التسلطية الرجعية. مع أن أصحاب الطبائع أيضا لديهم القدرة على كشف الزيف والنفاق والخديعة بالدين وبالمثالية. يتسمون بالصدق والإخلاص للمبادئ، ويستشهدون في سبيل الحرية والعدالة والمساواة بين البشر. وارتبطوا بالنزعة الإنسانية والأممية وتوحيد القوى الثورية ضد الاستعمار العالمي، وهو أيضا ما كان يعمل له الأفغاني بوحدة قوى الشرق التحررية في مواجهة قوى الاستعمار الغربية.

16

وأخيرا، يستقرئ الأفغاني التاريخ ويبين كيف انهارت الأمم التي تبنت المذهب الطبيعي، أمة وراء أمة، وكأن المذهب الطبيعي لم يقدم أي شيء إيجابي مثل تقدم العلم، وكأنه لم يكن رد فعل على التصور الخرافي الوهمي للطبيعة، فيتحدث طويلا عن

مطلب في بيان الأمم التي خضعت للذل، وضرعت للضيم بعد العزة والشرف . ويعدد ست أمم هي: (1)

الأمة اليونانية (الكريك): كانوا قليلي العدد، وورثوا العقائد الثلاث، خصوصا الحياء، أي الأنفة والكبرياء. واستطاعوا مقاومة الفرس. ووصلوا إلى درجة عالية من العلوم، وثبتوا ثبات الأبطال. امتد سلطانهم إلى الهند بصفة الأمانة، فكانوا يرجحون الموت على الخيانة كما هو الحال في قصة تيمستوكليس القائد اليوناني الذي نبذه الناس وطردوه، ففر ولجأ إلى أرتكزيس ملك فارس، فأمره بمحاربة اليونان، فأبى وانتحر بالسم. ثم ظهر أبيقور، واتبعه الدهريون، وأنكروا الألوهية، وجعلوا الإنسان معجبا بنفسه مغرورا يظن أن الكون العظيم خلق لخدمة وجوده الناقص، وهو أشرف المخلوقات والعلة الغائية لجميع المظاهر الكونية. قاده الحرص والجنون والخرف إلى الاعتقاد أن له عوالم نورانية وحياة أبدية بعد هذا العالم، فيها سعادة دائمة وليس فيها شقاء. فقيد نفسه بالسلاسل والتكاليف مخالفا نظام الطبيعة العادل، ووقف في وجه رغباته وحرم نفسه من الحظوظ الفطرية وهو لا يختلف عن الحيوانات. وما يفتخر به من الصنائع أخذه تقليدا للحيوانات. فالنسيج من العنكبوت، والبناء من النحل، وإنشاء القصور والصوامع وادخار الأقوات من النمل، والموسيقى من البلبل. فإذا كان هذا حاله من النقص فلا يزيد متاعبه والاغترار بأنه يزيد على الحيوانات والنبات والاعتراف بوجود حياة أخرى. بل عليه ترك التكاليف والتمتع بالبدن والأخذ باللذة وعدم ترك أي فرصة، ولا ينقاد إلى أوهام الحلال والحرام واللائق وغير اللائق. فهذه أمور وضعية تقيد بها الناس جهلا. فالإنسان ابن الطبيعة. ترك الناس الحياء واعتبروه ضعفا للنفس، وارتكاب كل قبيح دون انفعال أو خجل في المجاهرة، هتك الأبيقوريون ستار الحياء، وأراقوا ماء الوجه، واستحلوا أموال الناس حتى سموا بالكلاب دون رادع أو زاجر، تنبح في الأسواق. وكانت النتيجة أن سقط اليونان إلى حضيض البلاد، وكسد سوق العلم والحكمة، وانتهوا إلى الذل واللؤم، وتحولت الأمانة إلى خيانة، والحياء إلى وقاحة، والوقار إلى سفل، والشجاعة إلى جبن، ومحبة الوطن إلى أنانية. وتهدمت الأركان الستة، ووقعوا في أيدي الرومان عبيدا بعد أن كانوا أسيادا.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٢٢