2
وقد كتب الكتاب بالهندية والفارسية. لا ينقسم إلى فصول أو أبواب كما هو الحال في التأليف الحديث، بل إلى عدة مطالب غير مرقمة أو مرتبة وخاتمة للكتاب. تشمل عرضا تاريخيا للمذهب وفرقه، وهو الجزء الأصغر ثم أربعة عشر مطلبا في خطورته على الأديان والرد عليه، وهو الجزء الأكبر، أربعة أضعاف الجزء الأول وهو ما يتفق مع عنوان الكتاب.
3
وهو مذهب ظهر في اليونان في القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد، يهدف في رأي الأفغاني إلى محو الأديان ووضع أسس الإباحة والاشتراك في الأموال والأبضاع بين الناس. ففسدت الأخلاق وانهارت الأمم، أي إنه قضى على الطبيعة والمجتمع، وفسدت المدنية، ونقضت الهيئة الاجتماعية الإنسانية، والدين هو أساس النظام الاجتماعي والتمدن. فالمذهب ضد الدين وضد أي تنظيم على أساس ديني.
4
فواضح من هذا التعريف أن العرض الموضوعي يشمل النقد بل يتجاوز النقد العرض الموضوعي. لا يتجاوز العرض نشأته التاريخية مكانا وزمانا ثم بعد ذلك يبتلع النقد العرض. والنقد كله يقوم على أساس خطورته على الدين وقضائه عليه؛ لأن الدين أساس المجتمع. فالمذهب يمحو الدين وبالتالي يقضي على المجتمع ويكون سبب انهياره في التاريخ. وهو النقد الشعبي الرائج في الصحف الدينية المحافظة التي تعتبر كل تفكير في المادة وكل تنظيم اجتماعي يقوم على الشراكة مادية وإلحادا، نقد رجال الدين للمذهب الطبيعي وهو ما زال سائدا حتى الآن، وليس نقد العلماء من داخل المذهب في مقدماته ونتائجه وحججه واستدلالاته وبراهينه.
5
ومنذ تاريخ اليونان في القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد وجد تياران: الأول تيار إلهي يثبت وجود ذات مجردة عن المادة والزمان، مخالفة للمحسوسات في صفاتها، منزهة عن صفات الجسم وأعراضه، واحدة منزهة عن التأليف والتركيب، وجودها ذاتها وذاتها وجودها. وهي المصدر الأول والمبدع لكل الكائنات. ويعرف أنصار هذا التيار باسم المتألهين، أي الخاضعين لله، مثل فيثاغورس وسقراط وأفلاطون وأرسطو، والثاني طبيعي لا يثبت إلا المادة المدركة بالحس، ولا يوجد شيء وراءها. لذلك سمي أنصار هذا المذهب باسم الماديين، والمذهب نفسه بالمادية
Marérialisme . المادة طبيعة، والطبيعة مادة. يرجع اختلاف خواصها إلى طبيعتها. ويسمى أيضا المذهب الطبيعي. ويعربه الأفغاني ويسميه ناتوراليزم
Naturalisme
كشيخ تعلم اللغات الأجنبية على كبر. يذكرها أيضا بالفرنسية «ناتير» وبالإنجليزية «نيتشر» وبالألمانية «ناتور». وعرف أيضا عند العرب باسم الطبيعيين والأصح الطبائعيين الذين يقولون بالطبائع مثل أصحاب الطبائع من المعتزلة والنظام والجاحظ ومعمر بن عباد، وهشام بن الأشرس.
6
والحقيقة أن هذا التصنيف الثنائي للمذاهب غير دقيق بالرغم من شيوعه في الكتب الثانوية والثقافة الفلسفية الشعبية الشائعة لتثقيف العامة. فالمتألهون ليسوا هم الخاضعين لله بل المثبتون لله؛ لأن الأفغاني لا يفرق ضمنا بين الإيمان والعمل ، بين الفكر والسلوك. فمن يثبت وجود الله يكون بالضرورة مطيعا له. كما أن وضع أفلاطون وأرسطو معا في نفس المذهب الإلهي غير دقيق. أفلاطون إلهي وأرسطو طبيعي. صحيح أن الأول يقول بالمثال المجرد ولكن الثاني يقول بالطبيعة التي تتجه نحو الكمال. الأول لا يقول بالخلق بل بالصنعة ربما من مادة أولى قديمة، والثاني يقول بالمحرك الذي لا يتحرك، ويحركه الله نحو العالم بالعشق. كما أن فيثاغورس وسقراط وأفلاطون يسيرون في نفس الاتجاه، إثبات المعنى المستقل عن المادة، سواء كانت المعاني الرياضية مثل فيثاغورس أو الأخلاقية مثل سقراط أو الفلسفية مثل أفلاطون.
وينقسم أنصار المذهب الطبيعي إلى خمس فرق في تكوين العالم، الكواكب والحيوان والذبات على النحو الآتي: (1)