تكوين العالمين العلوي والسفلي عن طريق الصدفة والاتفاق، والترجيح بلا مرجح، وهو في رأي الأفغاني يناقض بداهة العقل. وأهم ممثل لهذه الفرقة ديموقريطس. فالعالم مكون من أجزاء صغيرة صلبة متحركة بالطبع، ومن حركاتها تظهر الأجسام وهيئاتها بقضاء العماء المطلق. وواضح أن الأفغاني لا يصبر على العرض كي يستوفيه معه بل يسرع بالنقد في أول العرض ويعتبره مناقضا لبداهة العقل، ويعني به قواعد الإيمان. فقد يرى آخر أنه متفق مع العقل الطبيعي. وهو المذهب الذي كتب فيه ماركس رسالته للدكتوراه معتبرا إياه مؤسس المادية الأولى. ويسمي الأفغاني العماء العماية. كما يسمي الحتمية القضاء، وهي ألفاظ إسلامية تكشف عن قراءة الآخر بمصطلحات الأنا طبقا لقواعد التشكل الكاذب، جدل اللفظ والمعنى في الالتقاء الحضاري، التعبير عن مضمون الأنا بلفظ الآخر أو التعبير عن مضمون الآخر بلفظ الأنا.
7 (2)
الأجرام السماوية والكرة الأرضية على حقيقتها منذ الأزل ولا تزال، لا بداية لها. وكل شيء لاحق مكنون في السابق، الشجرة في البذرة، والثمرة في الشجرة، والكائن الحي في الخلية إلى ما لا نهاية. فالمقادير اللامتناهية توجد في المقادير المتناهية. وهي نظرية الكمون والطفرة الشهيرة التي قال بها النظام وأقرانه من أصحاب الطبائع. وهو رأي لا يتناقض مع القرآن في وصف تطور الجنين في رحم الأم من العلقة فالمضغة إلى عظام إلى لحم. والأفغاني لا يعلق عليه ولا ينقده. (3)
النبات والحيوان قديمان بالنوع، والأجرام العلوية وهيئاتها قديمة بالشخص. ولا شيء من الجراثيم الأولى قديمة بل محدثة. قالب سابق يتكون فيه اللاحق. وينقد الأفغاني هذه الفرقة الثالثة بأن كامل الخلقة قد ينتج عن ناقص الخلقة، وأن ناقص الخلقة قد ينتج عن كامل الخلقة، وهو رأي وسط بين القدم والحدوث. فالأجرام السماوية قديمة بالشخص والحيوان قديم بالنوع ولكن الجراثيم الأولى محدثة. وهو ما يصعب فهمه. وحجة الأفغاني، خروج الكامل من الناقص والناقص من الكامل غير حاسمة في نقد هذه الفرقة الثالثة. (4)
إثبات التطور مع الإيهام بالبيان. فأنواع الحيوان والنبات تقلبت على أطوار، وتبدلت على أدوار على مر الزمان حتى وصلت إلى هيئاتها الآن. وهو رأي أبيقور أحد أتباع ديوجينس الكلبي؛ فقد كان الإنسان في بعض أطواره مثل الخنزير ذي شعر كثيف، ثم تطور حتى وصل إلى صورته الحسنى التي هو عليها الآن. ولا يوجد برهان على ذلك في رأي الأفغاني مع أن أصحاب نظرية التطور يعطون عشرات البراهين في وصف تطور الكائنات الحية لبيان اتصالها حتى ولو كانت هناك بعض الحلقات المفقودة؛ فالعلم الطبيعي وتطور الأحياء قادر على اكتشافها بمزيد البحث والاستقصاء. ولا يوضح الأفغاني إذا كانت هذه الفرقة مستقلة أم أنها فرع من الفرقة الثالثة. (5)
القول بالحدوث عند الماديين المتأخرين بعد أن بين علم الجيولوجيا، علم طبقات الأرض، بطلان قدم الأنواع، ثم اختلف أنصار هذا الرأي في موضوعين: الأول تكوين الجراثيم النباتية والحيوانية؛ فالبعض يرى أن تكوين الجراثيم جاء نتيجة تناقص التهاب الأرض ثم انتهى هذا التكوين بنهاية التطور. والبعض الآخر يرى أن تكوين الجراثيم ما زال متصلا حتى الآن خاصة في خط الاستواء حيث تشتد الحرارة. وينقد الأفغاني رأي الفريقين لعجزهما عن بيان سبب حياة هذه الجراثيم النباتية والحيوانية خاصة بعد ما تبين أن الحياة فاعل في بسائط الجراثيم، يوجب التئامها، وتحفظ تكوينها، وأن القوة الغاذية هي التي تجعل غير الحي من الأجزاء حيا بالتغذية، فإذا ضعفت الحياة ضعف تماسك البسائط وتجاذبها فصارت إلى الانحلال، وقد ظن فريق ثالث أن هذه الجراثيم كانت مع الأرض عند انفصالها عن الشمس، وهو ما لا يتفق مع القول بأن الأرض كانت جزءا ملتهبا من الشمس مما يؤدي إلى احتراق هذه الجراثيم وصورها في النار.