تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مستقبل العلم

ومحمد عبده ربما في الجزء الأخير من

رسالة التوحيد

عن تقدم الإسلام في التاريخ بسرعة لم يشهد مثلها العالم من قبل، وأن الوحي ممكن الوقوع وكما هو الحال في كل محاولات إنشاء فلسفة جديدة للتاريخ تضع شروط النهضة ولا تكتفي بوصف أسباب الانهيار كما فعل ابن خلدون، محاولات بدأها أديب إسحاق تلميذ الأفغاني الأثير.

أما القول الخطابي فما زال يسيطر على الفكر الإسلامي المعاصر بالتناوب مع القول الجدلي، ويقل كثيرا القول البرهاني إلا فيما ندر. ومن الصعب تحويل الخطابة إلى تصورات، والحماسة إلى أفكار. فالمقصود منها الجماهير وليس العلماء، والمستمع جزء من مكونات الخطاب. فالخطاب رسالة من مرسل إلى رسول. والحركة الاجتماعية جزء من مكونات الخطاب أيضا باعتباره بواعث ومقاصد وليس مجرد الحقائق النظرية. لذلك يستعمل الأفغاني كثيرا أسلوب النداء وضمائر المخاطب مفردا أو جمعا.

27

قد يظهر الأسلوب الخطابي والقول الانفعالي أحيانا في هذه الدراسة أسوة بالموضوع، ومشاركة في الهم والقصد. فليس المطلوب باسم العلم إيقاف حركة التاريخ أو عزل الخطاب عن الجماهير وإلا كان ادعاء مقصودا وخطابة سلطان. وهو خطاب في النهاية كان منبره الصحافة. فالصحافة عند الأفغاني منبر الفكر، عمل شريف. ويعترف بأنه صحفي، له جريدة في باريس.

28

وبالرغم من أن تقسيم أعمال الأفغاني على الجبهات الثلاث وارد: الموقف من التراث القديم وضرورة إعادة بنائه، والتحول من السلب إلى الإيجاب مثل إعادة تفسير القضاء والقدر، والموقف من التراث الغربي خاصة السلبي منه مثل الدهرية أي المادية، مذهب الطبائعيين، دارون وسبنسر وبشنر، ويضع الأفغاني معهم السوسياليست والنهيلست فولتير وروسو، واتجاهات الغرب، والاستعمار، والتآمر والتعصب والجنس، والموقف من الواقع المباشر للأمة، الاستعمار والقهر والتفكك والفقر والتقليد للغرب واللامبالاة، إلا أن الأولوية كانت لمادة الأفغاني نفسه، فكره النظري في الرد على الدهريين وهو ما يعادل التوحيد، وإعادة تفسيره للقضاء والقدر على أنه حرية وهو ما يعادل العدل، ورأيه في العلم وصلته بالعمل وهو ما يعادل العقل والنقل، ثم الفضيلة كما تتجلى في الأخلاق الفردية والاجتماعية وهو ما يعادل الإيمان والعمل. وهنا يبدو الأفغاني متكلما في جبهة التراث القديم، ثم يأتي التقابل بين الأنا والآخر، والشرق والغرب، والمسألة الشرقية وهو ما يعادل الموقف من الآخر. ثم يأتي، مصر والمصريون، والوحدة الإسلامية، وأسباب تخلف المسلمين، وهو ما يعادل الموقف من الواقع، والمساهمة في حركة التاريخ.

قد يكون نص ناقصا هنا أو هناك أو تحليل تنقصه الدقة أو دراسة ثانوية ناقصة من هنا أو من هناك. ولكن الأهم هو إعادة إنتاج الأفغاني بعد قرن من الزمان في ذكراه المئوية الأولى.

29

الفصل الثاني

| الفكر النظري (الرد على الدهريين) (التوحيد)

(1) النقد النظري

الرد على الدهريين

إجابة على سؤال من أحد القراء في الهند عن معنى لفظ «نيتشر» السائد في الأقطار الهندية. فالسؤال محلي حول موضوع محلي وليس سؤالا عن المذهب الطبيعي

Naturalism

الغربي. والسؤال طويل ومركب ومتعدد الجوانب، عن حقيقة المذهب الطبيعي كما شاع في الهند وعن الطبائعيين، وهل يمكن أن يكون المذهب عماد المدنية؟ وما قصده؟ وهل ينافي مقاصد أصول الدين أو يعارضها؟ وما علاقة هذا المذهب بمطلق الدين في عالم المدنية؟ وماذا كانت صورة المذهب قديما؟ ومن هم دعاته الآن؟ ولماذا ينتشرون؟ وما الغاية من ذلك كله؟

1

والحقيقة أنه لما استقر الاستعمار في الهند شجع الإنجليز أحمد خان بهادور، وهو لقب تعظيمي في الهند، من صنيعتهم لخلع دين المسلمين، والتدين بمذهب الإنجليز. فألف كتابا يثبت فيه أن التوراة والإنجيل ليسا محرفين ولا مبدلين لإرضاء الإنجليز. ثم قال بالمذهب الدهري. فلا وجود إلا للطبيعة العمياء دون إله حكيم. وجميع الأنبياء كانوا طبيعيين ومن ثم يمكن التخلص من الشرع وبالتالي من الجهاد، ودفع المسلمين إلى الشهوات والحياة الدنيا. وبنى الإنجليز له مدرسة عليكرة، مدرسة المحمديين لنشر الدعوة. فأوروبا لم تتقدم إلا بالمذهب الطبيعي. وقد كافأه الإنجليز بتعيين ابنه مولوي محمود عضوا في مجلس قرية من قرى الهند لا يزيد حجمها على شبراخيت في مصر. ووعدوا كل من اتبعوه بتعيينهم في وظائف الحكومة. وهو دجال آخر الزمان، يهدف إلى محو الإسلام في الهند. فالدهريون هم جيش الحكومة الإنجليزية في الهند. واستمر تلميذه الأول سميع الله خان في تضليل المسلمين، وكان صديقا للورد نورثبروك الذي كان يعمل على تنفير المصريين من الدولة العثمانية.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ١٦