لا يوجد خطأ وصواب في النص في صياغته الأولى إلا بقدر ما يعبر عن ظروفه التاريخية الأولى وبواعث مؤلفه الأول. لا توجد مرجعية خارجه، بعيدة عن لغته وسياقه وبواعثه. ولا يوجد خطأ وصواب في الصياغة الثانية إلا بقدر تغير نشأة النص الأول ثم إعادة إنتاجه في ظروف مغايرة مع الإبقاء على بواعثه ومقاصده وأهدافه التي تحدد مسار حركته. الثابت بين النص الأول للمؤلف والنص الثاني للقارئ وربما الصياغات المستقبلية لقراء آخرين هو روح النص، النص باعتباره مقاصد وغايات وبواعث فردية وجماعية وحركة تاريخية وتراكم خبرات طويلة تكون الوعي التاريخي لحضارة وشعب.
والمنهج في كلتا الحالتين، مستويات التحليل الثلاثة أو في خطوات المنهج الثلاث، إنما يعتمد على منهج واحد وهو تحليل الخبرات الشعورية الفردية والجماعية. فالنص صياغة لغوية لتجربة شعورية في صياغته الأولى. وهو أيضا تجربة شعورية في الصياغة الثانية إذا كان الواقع التاريخي لم يتغير، الاستعمار والقهر والتجزئة والتخلف والتغريب وسلبية الجماهير. هذه الوحدة المستمرة للتجربة الشعورية في النص الأولى وفي إعادة إنتاجه هي إحدى الضمانات للفهم الموضوعي للنص باللجوء إلى مصدره في وحدة التجربة. كانت العروة الوثقى تنزل على قلوب الناس كأنها
وحي سماوي أو إلهام إلهي
لقدرتها على التعبير عن الواقع وكشفه وإيصاله للناس.
25
والخاطرات ما زالت تنزل على قلوب الناس طازجة بالرغم من انقضاء قرن عليها؛ لأن التجربة المعاشة واحدة لم تتغير فيما يتعلق بتجارب الاستعمار والقهر بصرف النظر عن مصدرهما، إنجلترا ثم أمريكا، السلطان عبد الحميد ثم الأنظمة العربية الحالية، الجيش وقريش، وهذا ما سماه الأصوليون القدماء خصوص السبب وعموم الحكم.
وبطبيعة الحال كان يغلب على فكر الأفغاني طابع الدفاع؛ لأنه عاش في سياق الهجوم على الإسلام من التبشير والاستشراق. فرد على رينان كما رد عليه مصطفى عبد الرازق. وما زال هذا الطابع الدفاعي هو الغالب على الفكر الإسلامي المعاصر، رد محمد عبده على فرح أنطون وترويجه للتجربة الغربية وتعميمه على غيرها من تجارب الشعوب وثقافاتها في
الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية ، وفي الرد على هانوتو، ورشيد رضا في
شبهات النصارى وحجج الإسلام ، وعند محمد فريد وجدي في
لماذا أنا مؤمن؟
ردا على إسماعيل أدهم
لماذا أنا ملحد؟ ، وعند محمد الغزالي في
من هنا نعلم
ردا على خالد محمد خالد في
من هنا نبدأ
ومحمد الغزالي أيضا في
ظلام من الغرب
ردا علي زكي نجيب محمود في
شروق من الغرب . وطالما أن الهجوم على الإسلام ما زال مستمرا، ثروات وفكرا وهوية وتاريخا، فإن الدفاع عنه أيضا من الإسلام التقليدي أحيانا ومن الإسلام المستنير أحيانا أخرى يظل مستمرا أيضا حتى تخف حدة الجدل والسجال، ويبدأ العقل بالتحليل والبرهان. ما زال الفكر الإسلامي المعاصر فكرا جدليا كلاميا مع العصر ولكن في سياق تاريخي مغاير، ولكنه في النهاية أقرب إلى علم الكلام منه إلى الفلسفة. وإلى الجدل منه إلى البرهان. بل إن
الرد على الدهريين
كتب دفاعا عن الإيمان ضد الملحدين الداعين لنبذ الأديان وحل عقود الإيمان.
26
غايته نقض مذاهب الطبيعيين وإرغام الضالين بتأييد عقائد المؤمنين. والحقيقة أن مقاييس العلم برهانية خالصة وليس الدفاع الجدلي عن مسلمات الإيمان. يمكن تأويل الإيمان على نواح عدة حتى يتفق مع العلم أو يختلف معه. وفي هذه الحالة يكون العلم هو الثابت والإيمان هو المتغير، والعلم لا يدعى ثباتا بل هو متغير في كل عصر، والإيمان يدعى ثباتا وينكر التغير. والحقيقة أن كليهما متغير بتغير فهم البشر للعلم وللدين طبقا لتصورات كل عصر. كما تغلب على فكر الأفغاني الدعوة السلفية، الرجوع إلى الماضي؛ إذ لا يصلح هذه الأمة إلا ما صلح به أولها، وأن السلف خير من الخلف الذي أضاعوا الصلوات واتبعوا الشهوات، وأن خير القرون قرن الرسول، وأن الخلافة ثلاثون سنة تتحول بعدها إلى ملك عضود. وهي الدعوة التي ما زالت تتردد في الخطاب السلفي والتي تجعل النموذج أو القدوة في الماضي وكأن للتاريخ نموذجا ثابتا في إحدى لحظات مساره. وهي الدعوة الرومانسية الموجودة في كثير من الحركات الإصلاحية في كل مكان مثل مارتن لوثر، ولامنيه، وشاتوبريان. وذلك على عكس الدعوة إلى المستقبل، وأن الكمال قادم وليس ماضيا، وأن حركة التاريخ في صعود وليست في هبوط. وهي الروح التي عبر عنها رينان في