تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الخارج تزداد الهوية الأصلية انغلاقا؛ دفاعا عن النفس كرد فعل طبيعي للأقلية تجاه الأغلبية. وتظهر الحركات السلفية لدى المهاجرين وهم وسط الحضارة الغربية؛ حضارة الحداثة. ويزداد التمسك بمظاهر الهوية: اللحية والجلباب والحجاب والنقاب. وكما قيل: «إذا أراد الإنسان أن يكون اشتراكيا، فليذهب إلى باريس، وإذا أراد أن يكون رأسماليا، فليذهب إلى موسكو»، يقال أيضا: «إذا أراد الإنسان أن يكون سلفيا، فليذهب إلى الغرب، وإذا أراد أن يكون تقدميا، فليأت إلى العالم الإسلامي»، فكل شيء يعرف بنقيضه.

وبدلا من تمثل الحضارة الغربية يبدأ رفضها، وهو ما سماه المصلحون «الحضارة المادية»، وحاولوا نقده وبيان معارضته لقيم الحضارة الروحية كافة مثل الحضارة الإسلامية، وهو ما نقده فلاسفة الغرب أنفسهم مثل برجسون وهوسرل وشيلر ورسل وتوينبي. وينشأ الاستقطاب الشديد بين السلفي والعلماني، بين الدولة الدينية والدولة المدنية، وهو في اللاشعور استقطاب بين الإيمان والكفر، بين الهدى والضلال، بين أهل الجنة وأهل النار. ويشتد تحت الحكم الاستبدادي الديني أو العسكري.

وقد ظهرت الهوية السلفية منذ القرن الثامن عشر في الحركة الوهابية؛ التي نشأت رد فعل على مظاهر البدع والخزعبلات وجوانب الشرك في التوحيد داخل العقيدة الإسلامية في الحجاز؛ التبرك بالأشجار والأحجار ومقابر الأولياء، وضرورة العودة إلى أصل التوحيد في الكتاب والسنة؛ اعتمادا على النصوص والأدلة النقلية. وربطت نفسها بابن تيمية وابن القيم ووراءهما ابن حنبل. وعادت السلفية إلى الازدهار بعد سقوط الخلافة العثمانية وكبوة الإصلاح ودخول كبرى الحركات الإسلامية، الإخوان المسلمين، في السجون على مدى أكثر من نصف قرن. وارتبطت السلفية بالقبلية في الحجاز وبتأسيس الدولة، فارتبط الدين بالدولة. ولما كان الدين سلفيا أصبحت الدولة سلفية كذلك. وانتشر منهج النص، واتحدت سلطة النص مع سلطة الأمير؛ السلطة الدينية والسلطة السياسية. وأعطيت الأولوية للواجبات على الحقوق، وللحدود على الظروف المخففة، وللمنع على الإباحة، وللقهر على الحرية. فقام الاستبداد السياسي على الاستبداد الديني، وأصبح الدين يعني بالضرورة القمع والمنع والقهر والزجر والحرام، والتحريم والتخويف؛ فيمنع قدرات الإنسان من التجلي، وتكون الهوية مفروضة عند كل الناس، من يقبلها ومن لم يطقها، كالخاتم الخارجي الذي يلاصق الجسم فيطبعه بطابعه.

ومنذ فجر النهضة العربية في القرنين الماضيين كان قد نشأ صراع الهويات؛ الهوية الإصلاحية التي يمثلها الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وابن باديس وعبد القادر الجزائري، والهوية الليبرالية التي يمثلها الطهطاوي وخير الدين التونسي وطه حسين والعقاد ومحمد حسين هيكل، وقاسم أمين في كتابيه عن المرأة «المرأة الجديدة» و«تحرير المرأة»، وخالد محمد خالد في كتابه الأول «من هنا نبدأ» وكتبه التالية، قبل أن يتحول إلى الهوية الإسلامية في «رجال حول الرسول». والهوية العلمية العلمانية التي يمثلها شبلي شميل وفرح أنطون ونيقولا حداد وسلامة موسى وإسماعيل مظهر، قبل أن يتحول في آخر حياته إلى الهوية الإسلامية في «الإسلام أبدا». وما زالت هذه الهويات الثلاث في صراع بينها، تتقارب وتتباعد فيما بينها، تختلف في نقطة البداية؛ الدين للتيار الإصلاحي، والدولة للتيار العلماني ، والعلم للتيار العلمي، ولكن النهاية تتقارب في كبوة كل تيار، والاقتراب من السلفية؛ السلفية الدينية، والسلفية الليبرالية في الفكر، والسلفية العلمية في برامج العلم والإيمان. أصبحت السلفية طابع الفكر، الرجوع إلى الوراء للعجز عن مواجهة الواقع، الليبرالية سلفية، والعلمانية سلفية، والإصلاحية سلفية. ويقوي ذلك قيمة السلف في الثقافة الشعبية

الهوية · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الهويةص ٦