تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ، «خير القرون قرني» ... على الرغم من وجود تيار آخر في الثقافة الشعبية يعطي الأولوية للتقدم على التأخر

والسابقون السابقون ،

لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ، «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» ... وجوهر النبوة التقدم في مسار طويل من أول الأنبياء حتى آخر الأنبياء؛ حتى يرث العقل والحرية النبوة.

وبرزت الهوية العلمية العلمانية تبنيا للنموذج العلمي الطبيعي الغربي، وأهم نظرية فيه في القرن التاسع عشر؛ وهي نظرية التطور في العلوم الطبيعية، والعلمانية؛ أي: فصل الدين عن الدولة في العلوم الإنسانية. بدأها شبلي شميل (1850-1917م)، وفرح أنطون (1874-1922م)، وسلامة موسى (1887-1958م)، وإسماعيل مظهر (1891-1962م)، وزكي نجيب محمود (1905-1993م). فالعلم الطبيعي يستند إلى منهج تجريبي لا إلى أحكام مسبقة، فإذا ما تحقق أحد افتراضاته أصبح قانونا. يبدأ بملاحظات أولية تعتمد على الحس لا على الغيب. وقانون الطبيعة ثابت، ومن ثم لا مكان للمعجزات؛ بمعنى خرق قوانين الطبيعة. ومع ذلك ظلت الهوية العلمية خارجية؛ لأنها تستند إلى أساس ديني غيبي أسطوري مغروز في الثقافة الشعبية. ولم تقم بعد محاولة جادة لنقدها وتطهيرها؛ من أجل بناء ثقافة علمية بديلة تقوم على العلية؛ كما كان الحال في علم أصول الفقه في القياس الشرعي؛ الأصل الرابع للتشريع؛ إذ غلب الأصل على الفرع في الثقافة الشعبية المغروزة، وأخذ الفرع حكم الأصل بلا تعليل. ما زال العلم وافدا من الغرب لا نابعا من الذات، بل إن بعض العلماء يهاجرون إلى الغرب بلاد العلم، ويتركون بلاد الخرافة والجهل والسحر والشعوذة؛ حتى وصل مقدار العلماء الأفارقة والآسيويين إلى نحو 30٪ من مجموع العلماء الغربيين الذين يسهمون في تقدم العلم وبناء العمران .

وتنشأ ظاهرة «التغريب» بين المثقفين رد فعل على التخلي عن الهوية الأصلية. ويعني التغريب أخذ الغرب نموذجا في الفكر والحياة اليومية؛ في الثقافة واللغة واللباس والمنظور. ويصبح نموذج «الخواجة» أحد نماذج التحديث في الفكر العربي المعاصر. فالغرب مصدر العلم ونموذج الحداثة، وكان كذلك منذ فجر النهضة العربية الحديثة، وكان وراء التحديث في عصر إسماعيل حتى «مستقبل الثقافة في مصر» لطه حسين؛ فنشأ رد فعل عليه في التمسك بالهوية، وظهر نموذج التواصل مع الماضي بدلا من الانقطاع عنه كما فعل الغرب، وكتب توفيق الحكيم «عصفور من الشرق»، وكتب محمد الغزالي «ظلام من الغرب». وأراد علي عبد الرازق فصل الدين عن الدولة أسوة بالغرب؛ في «الإسلام وأصول الحكم»، وتقليدا للثورة الكمالية في تركيا. ورد عليه محمد رشيد رضا في «الخلافة أو الإمامة العظمى» في نفس العام؛ لإحياء الخلافة الإسلامية بعد سقوطها عام 1924م بعد الثورة الكمالية في تركيا عام 1923م. وما زال التغريب غواية للنخبة إحساسا بالنقص أمام الآخر، ورغبة في الوصول إلى مستواه؛ لغة وثقافة وعلما وتحضرا. ومهما نشأت محاولات لعلم «الاستغراب»؛ لتحويل الغرب إلى موضوع للعلم من أجل التحرر منه، فإن التغريب ما زال مستمرا، ويظهر أثره في الحياة العامة، ويحدث رد فعله في الهوية السلفية.

4

ثم نشأت الهوية الليبرالية جمعا بين القديم والجديد عند الطهطاوي في «مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية»، وخير الدين التونسي في «أقوم المسالك». يقرأ الهوية العربية الإسلامية من منظور التحديث الغربي خصوصا فلسفة التنوير؛ فولتير ومونتسكيو وروسو، وقراءة فلسفة التنوير من منظور إسلامي؛ فمونتسكيو في «روح الشرائع» هو ابن خلدون الغرب، وابن خلدون في «المقدمة» هو مونتسكيو الشرق، وعلم العمران عند ابن خلدون هو ما سماه الغرب «الإندوستريا»

الهوية · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الهويةص ٧