تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد يؤدي فقدان الهوية، أي: الاغتراب، إلى ردي فعل متضادين؛ مثل العزلة والانطواء أو الانتشار والعنف. ولما كانت الهوية أصيلة في الوجود الإنساني، فإنها تتحقق في أشكال عديدة؛ سواء كانت منطوية أو منتشرة، إلى الداخل أو إلى الخارج. وكلاهما خارج الوجود الإنساني لا فيه، كلاهما انحراف عنه لا تحقيق له. فمن يفقد هويته يفقد قدرته على الحركة والنشاط، وتتبخر طاقته التي تحركه، ويعتزل الناس في حالة انكماش أو انقباض أو تقلص؛ مثل الحبيب الذي هجرته حبيبته، أو القريب الذي فقد أعز الناس إليه. وقد يشعر بالضياع لأن الهوية هي الوجود، وقد يخون مكتشفا هويته في غيره. ويشعر بالعدم والخواء والفراغ الذي يحس به الوجوديون؛ مثل سارتر وهيدجر في قولهم: «الوجود عدم». وقد ينتحر لأن وجوده لم يعد له أساس. هوية خاوية بلا مضمون، تأخذ من ذاتها مضمونا بعد أن ضاع مضمونها. تصبح في حالة كمون دون أن تضيع. تنتظر الفرصة حتى تتخارج وتنطلق وتأخذ الطريق الثاني؛ طريق العنف والعدوان.

قد يتخارج الانطواء في فعل حقيقي عن طريق المخدرات بأنواعها كافة، وانتشارها عند الأغنياء مظهر من مظاهر الترف، وعند الفقراء مظهر من مظاهر العوز، والفرق هو «الصنف». وانتشر تجار المخدرات في الطبقات العليا ترفا، وفي الطبقات الدنيا عوزا، وفي الطبقات الوسطى «مزاجا» و«سلطنة» كما وضح في بعض روايات نجيب محفوظ مثل «ثرثرة فوق النيل». يجد الإنسان هويته من صنعه، من وضع الخيال، في عالم يحلم به، يريد الغوص فيه وعدم العودة منه، ويا ليته يكون مع «شلة الأنس»؛ تعويضا عن جماعة العمل الفعلي. وهو طريق سهل ليس به أي مخاطرة إلا مع أجهزة الأمن ومخالفة القانون، وعادة ما يتم التغلب على هذه المخاطرة إما بالحرص وإما بالتواطؤ. وهناك عشرات من الدراسات الاجتماعية عن ظاهرة «تعاطي المخدرات»؛ أسبابها ودوافعها وطرق علاجها. وقد انتشرت في الأدب الحديث العربي والغربي؛ بخاصة في الأدب الوجودي. واشتهر بعض كبار الأدباء بالتعامل مع الظاهرة مثل جان جينيه وغيره.

وقد تتحقق الهوية في أشكال أخرى من الانحراف؛ مثل الشذوذ الجنسي الذي انتشر بين مشاهير الكتاب والفنانين عربا وغربيين. فالشذوذ الجنسي عنف مع لاعنف، إيجاب مع سلب، التحقق في شخص بدلا من التحقق في جماعة. الفاعل قوي اجتماعيا، والمفعول فيه ضعيف يريد أن يكون قويا من الباب الخلفي. ليس لدى الفاعل إحساس بالذنب، بل هو حقه في الانتصار عن طريق الانتصاب. في حين يظهر الإحساس بالذنب عند المفعول فيه، ضعف على ضعف، وانكسار على انكسار، وانفعال تحت فعل. قد ينتهز الفرصة للانتقام إذا ما حانت، ويتحول من مفعول فيه إلى فاعل، ومن منكسر إلى منتصر؛ كما هو الحال في رواية «عمارة هاجوبيان» للورداني. وينتشر الشذوذ الجنسي أيضا في الطبقة العليا ترفا، وفي الطبقة الوسطى مزاجا، وفي الطبقة الدنيا عوزا وتعويضا.

وعلى عكس الطريق السابق قد تسترد الهوية نفسها خارجها في العالم؛ في الانغماس في الحياة الدنيا؛ حياة اللهو والترف ومظاهر

Dolce Vitae ، حياة المولات والمدن الجديدة الصحراوية والساحلية؛ خصوصا إذا توفرت الإمكانيات المادية. وهي حالة البذخ من أجل المساعدة على نسيان الهوية الضائعة، واستعواض الخارج بالداخل. وقد نشأت طبقة جديدة من الشباب بفنونهم وملاهيهم لهذا الغرض؛ لذلك انتشرت «المولات» و«السنترز» و«الاستارز» في الأحياء والمدن الجديدة. تزدحم بمجموعة من شباب الطبقة الجديدة، يجدون فيها هوية بديلة، معظمها أسماء أجنبية بالفرنسية والإنجليزية والإسبانية؛ كوفي شوب، بيتزاهت، ماكدونالدز، جينوز، إلخ. وحديث «الجارسونات» باللغات الأجنبية، والأسعار على مستوى الأسعار في الخارج لا إشكال فيها؛ فالقدرات الشرائية متوفرة، والمشكلة «الباركينج» أسفل البنايات بالساعة أو على الأرصفة بالمنادي، و«الدبل باركنج» والوقوف في الممنوع مع إسكات شرطي المرور ببعض ما يجود به أصحاب السيارات. ويصرف الشاب في ليلة واحدة ما يصرفه العامل في شهر واحد. فإذا زادت الإمكانيات، ولم يتسع الخارج المحلي، اتسع نطاق النشاط إلى المجال الدولي؛ من أجل البحث عن هوية بديلة في الخارج تصل إلى حد تبني الجنسية الجديدة، فيتحول إلى مواطن البلد البعيد الذي هاجر إليه؛ فلا هو يستطيع أن يكسب هوية جديدة من بلد الهجرة، ولا هو يستطيع أن ينسى هويته السابقة؛ البلد المهجور. ويظل يعيش مع مواطنيه الأصليين، يسكن معهم وفي أحيائهم، يتناول مأكولاته الشعبية، ويتحدث لغته الوطنية، ولا يكتسب تماما لغة بلد الهجرة، ولا يتأقلم مع عاداته وتقاليده حتى لو تزوج منه، وحاول الاندماج فيه؛ إذ تستعصي الهوية الجديدة عليه؛ لأنها تقوم على أساس عنصري يرفض قدوم الدخيل إليه. وتتكون وسط المدن الأوروبية أو على هوامشها الأحياء العربية أو الهندية أو الباكستانية أو الصينية أو الآسيوية؛ حتى لا تغترب الهوية، وحتى يعيش المواطن كأنه بين أهله وفي وطنه، لم يفارقهم ولم يغادره. ويكون المهاجرون عرضة للاضطهاد في أي مد عنصري يميني نازي جديد، يدعو إلى الحفاظ على الشخصية الوطنية، وحمايتها من الدخلاء؛ المآذن، والمنتقبات والحجاب، والقاذورات في الطرقات، والبيع في الشوارع والميادين بعد صلاة الجمعة والأعياد، وتعبئة الجو بروائح التوابل الشرقية التي تجذب البعض وتنفر البعض الآخر.

الهوية · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الهويةص ٥