3 «الهوية» هنا صورة أو بطاقة لتعرف الآخر على الذات في البنوك والمؤسسات والمركبات والامتحانات، وكل ما يحتاج إلى التحقق من الشخصية. لها رقم وصورة وتاريخ ميلاد ومكان وتاريخ إصدار؛ للإشارة إلى فرد بعينه، وانتحالها يعاقب عليه القانون.
وهذا يفرض أسلوبا وصفيا أدبيا؛ حيث لا فرق بين الفلسفة والأدب، فليست الفلسفة أسلوبا عويصا ومصطلحات غربية لا تفهم، بل هي أقرب إلى وصف الحياة اليومية وتحليل التجارب المعيشة. هكذا كانت عند سقراط وياسبرز ورسل المتأخر والتوحيدي وعثمان أمين وزكريا إبراهيم وزكي نجيب محمود المتأخر. ليس الأدب مجرد قصص وشعر ومسرح، بل أيضا تحليل فلسفي لتجارب الحياة، وبحث عن دلالاتها؛ كشعر المعري وشكسبير وجوته ونزار قباني وأمل دنقل وصلاح عبد الصبور. بل يمتد الأمر إلى زجل بيرم التونسي والأبنودي وأحمد فؤاد نجم. على هذا النحو تخرج الفلسفة من النخبة إلى الجماهير، ومن الخاصة إلى العامة؛ دون أن تفقد دقتها وعمقها. وقد امتازت فلسفات بالوضوح والبساطة؛ مثل فلسفة التنوير وفلسفة برجسون.
ثانيا: الهوية والاغتراب
ليست الهوية موضوعا ثابتا أو حقيقة واقعة، بل هي إمكانية حركية تتفاعل مع الحرية. فالهوية قائمة على الحرية؛ لأنها إحساس بالذات، والذات حرة. والحرية قائمة على الهوية لأنها تعبير عنها. والحرية تحرر؛ أي: أنها إمكانية لأن يكون الإنسان حرا. الهوية إمكانية على إمكانية . الهوية إذن ليست شيئا معطى، بل هي شيء يخلق. لا يشعر بها كل إنسان كوعي مباشر؛ فالإنسان اليومي يوجد أولا، يعيش أولا، ثم يعي ذاته ثانيا. يأتي الوعي الذاتي بعد الوجود البدني، ثم يأتي الوعي بالعالم المحيط. وينشأ التساؤل عن الهوية: من هو؟ ولماذا هو في هذا الوضع الاجتماعي؟ وماذا يعني المحيط السياسي حوله؟ وما هذا الإعلام الصاخب الذي يسمعه؟ وماذا تعني هذه الصراعات السياسية حوله، ومحاولة إقناعه أو إغرائه أو حتى شراء صوته للانتخاب إلى هذا الفريق أو ذاك؟ وما هذا الزحام في الطريق والتسابق بالعربات يمينا ويسارا؛ وهو سائر على الأقدام فوق الرصيف الذي «تركن» فوقه العربات أو تقف عليه عربات الباعة الجائلين، أو ترسو عليه صناديق القمامة - المفتوحة أو المقلوبة أو التي خارجها حولها أكثر مما بداخلها، تتعايش عليها القطط والكلاب الضالة - لا يجد قوت يومه هو وأسرته؟ وإذا مرض أحد منهم كيف العلاج وشراء الدواء؟ أما إذا مات أحد منهم فأين يدفن وهو ليس له مقابر إلا للسكنى بالإيجار؟ وأين يرسل أولاده للتعليم إذا ما بلغوا السن القانونية؛ خوفا من العقاب أو طمعا في مستقبل أفضل لهم؛ بدلا من تركهم أطفالا للشوارع أو باعة جائلين بين العربات وعلى مفارق الطرق، وتحت إشارات المرور، مع العجائز على أرصفة الطريق يحملن الأطفال في البرد القارس أو في الحر القائظ؟
وقد تتحول الهوية إلى اغتراب؛ تنقسم الذات على نفسها، وتتحول مما ينبغي أن يكون إلى ما هو كائن، من إمكانية الحرية الداخلية إلى ضرورة الخضوع للظروف الخارجية بعد أن يصاب الإنسان بالإحباط - والإحباط عكس التحقق - وضعف الإرادة، وخيبة الأمل، وتخل عن الحرية. تشعر بالحزن دون معرفة السبب، وتشعر باليأس والشقاء، كما وصف فلاسفة الوجود مثل كيركجارد وهيدجر وسارتر، ثم يسيطر الاغتراب على موضوع الهوية. ويتناوله الفلاسفة منذ هيجل وماركس حتى فلاسفة الوجود المعاصرين سارتر ومارسل وياسبرز. فالاغتراب هو الأكثر شيوعا، وهو الأكثر وقوعا. الهوية حالة مثالية؛ في حين أن الاغتراب حالة واقعية، بل إن بعض الفلاسفة يرى الهوية مجرد افتراض ميتافيزيقي؛ في حين أن كل إنسان مغترب بطريقة أو بأخرى، فالاغتراب على درجات من الشدة، والإنسان الطبيعي هو الذي يوجد بين قطبي الهوية والاغتراب، ولا يمكن التخلص من الاغتراب أو على الأقل درجة منه يحددها التحقق الذاتي.