تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا يعتمد تحليل الخبرات الشعورية على المراجع والدراسات والرسائل والمؤلفات في الموضوع - وما أكثرها - بل يعتمد على التحليل الذاتي. دراسات الآخرين أدبيات في حاجة إلى المراجعة والتحقق منها، وقياسها على التجارب الشعورية لمعرفة الصحيح منها. وهو موضوع مستقل يقوم به شباب الباحثين وما تتطلبه الدراسات العليا في الجامعات، وهي تمتلئ بأسماء الأعلام، وكلما كثرت زادت أهمية البحث، وكلما زادت اتسعت آفاقه، وأصبح الباحث عالما مثل من ينقل عنهم. الإطار المرجعي في الدراسات الظاهراتية هو الشيء ذاته لا القول، هو الموضوع لا النص. يعتمد التحليل على الحدس المباشر وقلب النظرة من الخارج إلى الداخل، وعيش الموضوع باعتباره قصدية يمكن رؤيتها. وهي إيحاء متبادل بين الذات والموضوع. فالهوية ليست موضوعا صوريا ميتافيزيقيا مجردا؛ بل هي قصدية يشعر بها الباحث، يصف الموضوع بتحليل ذاته، ويحال فقط إلى بعض الكتابات السابقة من أجل عدم التكرار.

وإذا صعب تحديد الهوية إيجابا، فإنه من السهل تحديدها سلبا؛ أي: فقدان الهوية - أو ما يسمى بالاغتراب - أن تخرج الهوية خارج الوجود. تتخارج وتصبح بديلا عنه، يرى فيها الإنسان وجوده، وينسى وجوده الأصلي. وقد تحدث الفلاسفة، خصوصا الهيجليين منهم، عن الاغتراب أكثر مما تحدث الفلاسفة عن الهوية. كما أنه من الصعب الحديث عن الله إيجابا ومعرفة «ما الله»؛ في حين أنه قد يسهل الحديث عن الله سلبا لمعرفة ما ليس الله؛ لذلك كان اللاهوت السلبي أكثر سهولة ويسرا من اللاهوت الإيجابي، بل أكثر قبولا، فالله ليس شيئا، وليس مرئيا، وليس محدودا، وليس متناهيا، وليس فانيا، ولا مكان ولا زمان له. وظيفة التعريف السلبي هنا التطهير مما يعلق بالتعريف الإيجابي من تشبيه. التعريف السلبي تنزيه مستمر. «كل ما خطر ببالك؛ فالله خلاف ذلك»، «لا تفكروا في ذاته، وفكروا في آثاره». فالهوية بهذا التعريف السلبي ليست فصاما ولا انقساما ولا تغايرا ولا تخارجا ولا اغترابا للذات؛ الهوية هي المحافظة على الوجود توترا ذاتيا.

وعلى الرغم مما يبدو على الموضوع من طابع فلسفي ميتافيزيقي خالص، فإنه يرتبط بالفكر العربي المعاصر في القرنين الأخيرين منذ فجر النهضة العربية حتى الآن الذي يكشف صراع الهويات؛ فهو ليس موضوعا نظريا بل هو موضوع تاريخي يتعلق بوجود العرب في التاريخ.

ومصطلح «الهوية» لفظ تراثي قديم، موجود في كتب المصطلحات مثل «التعريفات» للجرجاني، ومعناه أن يكون الشيء هو هو، وليس له مقابل؛ مما يدل على ثبات الهوية. وهو موجود أيضا في المعاجم والقواميس الغربية في مصطلح

Identité ، و

Identity ، وأحيانا في مصطلح «الإنية» المشتق من «أنا»

Ipseité

و

Ipseity

بنفس المعنى. يستعمله الفرابي في كتاب «الحروف» في مقابل اللفظ الغربي

Altérité

أو

Alterity ، ويعني الغيرية، وهو على نقيض الهوية. وقد تكون الغيرية نسبية وليست كلية، أن يحدد انحراف الهوية والتعبير عنه بلفظ

Aliénation

من لفظ

Alius

ويعني الغير. وليس للفظ الأجنبي لفظ عربي قديم مقابل، وقد ترجمه المحدثون بلفظ «اغتراب»، وقد يكون المقابل لفظ «اختلاف»، وهو موجود عند القدماء، وموجود في التراث الغربي

Difference . وأصبح التقابل بين الهوية والاختلاف

Identité et Difference

شائعا. وفي التراث العربي «الاختلاف» أكثر شيوعا من الهوية لأنه لفظ بسيط؛ في حين أن الهوية لفظ مركب من الضمير المنفصل «هو» لا يتكرر.

كما تعني «الهوية» الشخصية أو التحقق منها في تحقيق الشخصية

Piéce d’Identité ؛ أي: مطابقة الشيء لنفسه. فالهوية تتعلق بالشخصية وبالعدد وبالتفرد وبالكيف؛ كما تقول المعاجم التي تعبر عن تصورات مجردة واقتباسات من أقوال الفلاسفة. وهي في الحقيقة وقائع حسية عيانية لا تحتاج إلى كل هذا التجريد.

الهوية · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الهويةص ٣