الهوية خاصية للنفس لا للبدن. هي حالة نفسية وليست حالة بدنية؛ طبقا للقسمة الأفلاطونية السينوية الشهيرة بين النفس والبدن. بيد الإنسان ذاته، وليست بيد الطبيب؛ حتى لو كان طبيبا نفسيا يرضي بها المريض انتظارا للموت، أو يعوضها بحالة نفسية نقيضة هي القوة التي لم يحصل عليها؛ كما هو الحال عند نيتشه؛ إرادة القوة كرد فعل على عجز البدن. يسميها المتدينون حالة روحية يغلب عليها الكفر لا الإيمان، الشرك لا التوحيد. فهي كفر برحمة الله ويأس منها، وإيمان بالشرك؛ أي: بالتوزع نحو قطبين، وقد تنشأ من البدن إذا كان عليلا ميئوسا من شفائه؛ إذ يتوق المريض إلى الصحة؛ وهي الحالة التي يرجوها ويتوحد معها. فالاغتراب حالة نفسية؛ كما أنه حالة بدنية. وإذا كان الاغتراب حالة وجودية، فلأن الوجودية لا تفرق بين النفس والبدن. والإنسان جسد كرد فعل على جعله روحا في الفلسفات القديمة، وكما هو الحال عند ميرلوبونتي وجابريل مارسل في فلسفة الجسد.
قد يعتبر بعض الوجوديين أن الهوية هي البدن؛ لرفضهم ثنائية النفس والبدن. «أنا جسمي - كما يقول جابريل مارسل - وعن طريق الجسم أتحرك وأنتشر في العالم وأعاشر جنسيا وأصارع». ويرفض سارتر مقولة ديكارت: «أنا أفكر»
Cogito ، ويفضل: «أنا موجود»
Ego .
2
والوجود هو البدن قبل أن يتخلق فيه الوعي. والبدن هو الذي يجوع ويعرى، يحس ويشعر، ويبرد ويحتر، ويسكن ويبقى بالعراء، ويمرض ويصح، ويصرع ويصرع، ويحيا ويموت. هوية الفقير في كفايته، وهوية الغني في طمعه، هوية الجائع في إطعامه، والعاري في إلباسه، والشريد في إيوائه؛ هي الهوية المباشرة التي يشترك فيها الجميع، الهوية الحسية التي لا تحتاج إلى وعي ذاتي؛ لأنها سابقة عليه، الهوية التي يثور الجياع والمشردون والفقراء والمساكين والمرضى لنيلها؛ هي الهوية التي أتى المسيح لإثباتها للمهمشين في المجمع الروماني؛ هي الهوية التي أثبتها القرآن للفقراء والمساكين وأبناء السبيل والعبيد وصغار الموظفين
والعاملين عليها .
وقد أصبحت الهوية عنوانا لفلسفة «فلسفة الهوية» عند شلنج؛ أي: أن يكون الوجود مطابقا لنفسه دون فصام أو انقسام أو ازدواجية أفلاطونية، تطابق الروح والطبيعة، المثال والواقع، دون حركة أو جدل أو مسار؛ كما هو الحال عند هيجل. فهي ليست فقط هوية رياضية أو منطقية أو فلسفية أو نفسية، بل هي هوية أنطولوجية أقرب إلى وحدة الوجود عند الصوفية. فالهوية قد تنتقل من تجربة فردية إلى الوجود كله. الهوية ليست مجرد ظاهرة نفسية بل ظاهرة كونية.
لذا كان أفضل منهج لتناول الموضوع هو المنهج الظاهرياتي «الفينومينولوجي»؛ منهج تحليل الخبرات الشعورية؛ ما دامت الهوية ظاهرة إنسانية. وهو تحليل مباشر دون الاعتماد في مقدماته أو نتائجه على أدبيات الموضوع؛ من أجل تجاوز منهج «قال ... يقول»، وتجميع أقوال السابقين؛ فالقول قد يخفي العلاقة المباشرة بين الذات والموضوع؛ في حين أن التحليل المباشر للظاهرة يعتمد على الحدس، وقلب النظرة من الخارج إلى الداخل؛ من النص إلى التجربة، ومن اللفظ إلى الشيء ذاته. فالمعنى الذي يدل عليه اللفظ ليس في اللفظ ولا في المعجم، بل في النفس. ما النص إلا علامة أو إشارة، ولا فرق بين الوافد والموروث، بين الأدبيات الغربية والأدبيات التراثية؛ فكلتاهما رؤى ومواد علمية مختلفة ومتباينة. إنما المهم هو النظير المباشر للواقع، التحليل المباشر للتجربة الذاتية، وهو الفرق بين المعلومات والعلم؛ المعلومات نقل ما عرفه السابقون، والعلم قراءة ما بين السطور. لا يقوم البحث على تجميع للمعلومات غربا وشرقا، بل إضافة معلومة جديدة تزيد في العلم. فلا يوجد إحساس بالنقص لدى الباحث تجاه القدماء ونصوصهم، يعرفها ويعرف ظروفها التي حاولت هذه النصوص التعبير عنها. وما أسهل نقل المعلومات! وما أصعب إبداع العلم! والحدس المباشر وقلب النظرة قادران على رؤية الشيء والتعبير عنها. ولا يوجد نقص لدى الباحث تجاه معلومات الآخرين، وهو قادر على إبداع نص مثل نصوصهم والمترجمة عنهم.