تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن التراث القديم ليس هو الدين، وبالتالي ليس له طابع التقديس، بل إن الدين هو جزء من التراث، أي الموروث العقائدي، بجوار الموروث الأدبي والعرفي. هو نتيجة ظروف سياسية قديمة وصراع على السلطة وتعبير عن أوضاع اجتماعية. ولما كانت الظروف تغيرت فإن مسئوليتنا، بالتالي، إفراز تراث جديد وإعادة بناء التراث القديم؛ حتى لا يقف حجر عثرة في سبيل النهضة الحديثة والثورة العربية المعاصرة. ليس الأمر مجرد تحميس للناس وشحذ عزائمهم، بل يتعلق الأمر بالبناء العقائدي للجماهير، وبإعطائها أيديولوجية سياسية تملأ بها فراغها النظري وحصارها بين الحركة السلفية والحركة العلمانية. فإذا كان التراث القديم نتيجة للعمل السياسي القديم فإن العمل السياسي الحديث يتطلب تراثه المعاصر، وفي الوقت نفسه إعادة النظر في الموروث القديم؛ فإما يتطابق معه في تراث المعارضة، وإما يختلف معه في تراث السلطة. وفي كلتا الحالتين يحدث التغير من خلال التواصل، وتأمن الأمة الردة والفصام في الشخصية، ويصبح حاضرها إحدى حلقات وحدة تاريخها.

| كبوة الإصلاح1

نموذج مصر

| أولا: مقدمة: وصف الظاهرة

ماذا تعني «كبوة الإصلاح»؟ تعني كبوة الإصلاح أن نهضتنا الحديثة التي بدأت منذ أوائل القرن الماضي باصطلاح المؤرخين إنما بدأت في جيلين وانتهت على يد جيلين. فإذا ما أتى الجيل الخامس فإنه يجد نفسه في أزمة: هل يعاود الإصلاح من جديد؟ هل يبدأ بداية جديدة؟ وما هي هذه البداية؟ وكأن نبوءة ابن خلدون قد تحققت في تاريخنا المعاصر وهي أن الدورة التاريخية تمتد أربعة أجيال! فإذا أخذنا التيارات الرئيسية الثلاثة التي تكون نهضتنا الحديثة: الإصلاح الديني، والفكر العلمي العلماني، والفكر السياسي الليبرالي، لوجدنا أن كل تيار قد حدثت فيه الكبوة على مر هذه الأجيال الأربعة. فالإصلاح الديني بدأه الأفغاني بداية جيدة، وحدد مشروعه الإصلاحي تحديدا متفقا مع ظروف عصره: مواجهة الاستعمار في الخارج ومقاومة التسلط في الداخل. ولكن بعد الثورة العرابية والاحتلال الإنكليزي لمصر خبا مشروع الإصلاح وهوى إلى النصف على يد محمد عبده فاصلا الدين عن السياسة - لعن الله ساس ويسوس! تاركا الثورة للإعداد لها، وتغيير النظم السياسية لتربية الشعوب، ومواجهة السلطان إلى إصلاح مناهج التعليم والمحاكم الشرعية. وبعد اشتداد الحركة الوطنية في البلاد على يد تلاميذ الأفغاني، وفي مقدمتهم مصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول واندلاع ثورة 1919م، خبا المشروع الإصلاحي مرة أخرى عند رشيد رضا بعد أن رأى مخاطر الوطنية في العلمانية وتقليد الغرب والتفرنج كما هو الحال في تركيا بعد الثورة الكمالية في 1924م. ثم خبا المشروع مرة ثالثة على يد الإخوان المسلمين بالرغم من محاولتهم إعادة الحياة له وإكماله عن طريق تجنيد الجماهير. فبعد مقتل حسن البنا في 1949م واضطهاد الجماعة كلها على فترات متتالية في 1954م ثم في 1965م، ولعدم تطوير الحركة الإصلاحية وموقفها؛ تحولت إلى حركة سلفية، ومنها خرجت الجماعات الإسلامية المعاصرة تعبيرا عن ظروف الاضطهاد للحركة الإسلامية المعاصرة. انغلقت على الذات وعادت التيارات الأخرى، وأصبحت تمثل رد فعل على فشل الأيديولوجيات العلمانية للتحديث؛ ليبرالية أو اشتراكية أو قومية أو ماركسية.

1

وإذا أخذنا التيار الثاني وهو الفكر العلمي العلماني، فقد بدأه شبلي شميل بداية طيبة في الترويج للفكر العلمي، وبيان أهمية التحليل العلمي والمنهج العلمي؛ كي تحدث الصدمة الحضارية الثانية بعد أن حدثت الأولى إبان الحملة الفرنسية على مصر في مشاهدة علماء الأزهر للتجارب العلمية التي أجراها علماء الحملة. وقامت جريدة «المقتطف» التي أسسها يعقوب صروف بذلك خير قيام. واستمز فرح أنطون في الدعوة إلى العلم من خلال ابن رشد. استمر الجيل الأول إذن في الدعوة إلى العلم الذي لا وطن له أو إلى العلم القومي حتى الجيل الثاني في القرن الماضي. ولكن خبت الدعوة على يد الجيل الثالث عند سلامة موسى، ثم الجيل الرابع عند إسماعيل مظهر وزكي نجيب محمود بعزلة التيار وارتمائه كلية في أحضان الغرب.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ٧٨