تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

أو بالردة عنه والعودة إلى تراث الأمة لإيجاد نوع من الاتساق الحضاري والاستمرارية في التاريخ.

3

فما إن أتى الجيل الخامس حتى ظهر الاضطراب لدرجة الصراع بين العلم والإيمان ونشأة رد فعل على العلم في التيارات اللاعلمية واللاعقلانية المنتشرة في مجتمعاتنا اليوم.

أما التيار الثالث الذي يمثله الفكر السياسي الليبرالي فقد بدأه الطهطاوي أيضا بداية جيدة؛ وذلك بنشر أفكار الحرية والعدالة والمساواة، ووضع موضوعات جديدة للفكر الوطني مثل التقدم والدولة والدستور، والحديث عن الزراعة والصناعة والتعليم من أجل تأسيس الدولة الحديثة. وقد حدد مشروعه في «مناهج الألباب» تحديدا واضحا ودقيقا. وسار الجيل الثاني ممثلا في لطفي السيد مؤكدا على الوطنية المصرية. ولكن ما إن أتى الجيل الثالث ممثلا في طه حسين والعقاد ثم الجيل الرابع ممثلا في جماهير المثقفين الوطنيين من خلال حزب الوفد حتى خبا المشروع الأول. فتحولت الدولة من أداة تكوين إلى أداة قهر، وتحول المفكرون من بناة دول وطنية إلى موظفي أنظمة سياسية. وقامت الثورات العربية الأخيرة التي بالرغم من إنجازاتها الاجتماعية والسياسية على الصعيدين الداخلي والخارجي انتهت بالقضاء على الحريات ومعاداة الليبرالية والقضاء على النظم البرلمانية الدستورية الحزبية، حتى أصبح المفكر الحر مرادفا لنزيل السجون!

تعني الكبوة أيضا أن الحركة عمرها قصير، انتهت بمجرد أن بدأت، سقطت بمجرد أن قامت. وكأن الصاروخ لم يستطع أن يخترق حجب الفضاء، وعاد إلى الأرض بمجرد الانطلاق وانتهاء قوة الدفع الأولى. ومن ثم كان مسار النهضة قوسا أو نصف دائرة من أسفل إلى أعلى ثم من أعلى إلى أسفل، وليس خطا مستقيما تتراكم فيه الخبرات جيلا بعد جيل، وكأن الدورة لدينا لا بد وأن تبدأ من الصفر من جديد دون أن ترث الأجيال من بعضها البعض خبراتها حتى يحدث تراكم تاريخي كي يحدث في نهضتنا تغير كيفي مماثل في القدر. لم تتعلم الأجيال من بعضها البعض، ولم ينشأ حوار بين القدماء والمحدثين إلا في أضيق الحدود وفي مجالات الأدب دون الفكر والتاريخ. لم ينشأ حوار بين الأموات والأحياء، بل أعيد حوار الأموات فيما بينهم في المناقضات الأدبية أو حوا الأحياء فيما بينهم، أيهم على صواب وأيهم على خطأ في المجلات الأدبية. لم يحدث وعي تاريخي، وبالتالي أصبح الوعي السياسي بلا رؤية أو منظور. وانحصرت الحركة في مجموعات من المثقفين أو «صالونات» فكرية أو منتديات ثقافية دون أن تكون حركة جماهيرية أو ثقافية شعبية. وعلى أقصى تقدير حملتها الطبقات المتوسطة كوسيلة للتحديث، ولكنها لم تنتشر خارجها. ولما كانت حركة النهضة في صميمها حركة إصلاح ظلت نسبية، تراجع القديم وتؤوله، ولكنها لا تأخذ موقفا نقديا منه، ولا تغير شيئا من منطلقاته الأساسية حتى ولو كانت البدائل القديمة موجودة. تعني كبوة الإصلاح أن هناك إجهاضا مستمرا لكل تجربة تمر بها مجتمعاتنا حتى تبدأ من الصفر من جديد، تبدأ دولة محمد علي ثم تنهار، ويتحول المشروع إلى مشروع مضاد؛ من النهضة والاستقلال والوحدة إلى الكبوة والاحتلال والتجزئة. ثم تأتي تجربة مصر الليبرالية ثم تجهضها الثورات العربية. وتأتي التجربة الناصرية ويتم القضاء عليها وتكاد تنهار الدولة، وينتهي المشروع القومي الحديث من الحرية والاشتراكية والوحدة إلى القهر والرأسمالية والتجزئة، وتتحول التجربة المصرية من مقاومة الاستعمار إلى الوقوع في براثن الاستعمار، ومن كونها مركز الدوائر الثلاث إلى كونها محيطا لمراكز أخرى.

والحقيقة أن ظاهرة الكبوة هذه لا يمكن إدراكها إلا برؤية الحاضر في الماضي وبنظرة تراجعية تكشف عن بداية المسار وتطوره. بل إنها لا تكشف إلا ابتداء من أزمات العصر وأزمة الجيل الخامس، جيلنا. ومع ذلك فهي تخرج من نطاق التقييم الذاتي إلى الوصف الموضوعي، ومن الحكم الفردي إلى الاتفاق الجماعي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ٧٩