تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اليسار الإسلامي: التيار الذي يمكنه أن يقوم بقراءة سياسية للتراث هو «الإسلام السياسي» أو «اليسار الإسلامي»؛ فهو الذي ينبع من تراث الأمة، ويلتزم بقضايا العصر، وقادر على القيام بهذا التحول من المحافظة التاريخية إلى التقدمية العصرية. فجذوره في التراث، وفروعه في العصر، لا يعادي الحركة الإسلامية بل يفهم متطلباتها، وصديق للحركة العلمانية يفهم منطلقاتها. اليسار الإسلامي هو القادر على إعادة وحدة الصف وإنهاء الازدواجية في الثقافة الوطنية بين الثقافة الدينية والثقافة العلمانية. وهو القادر على ملء هذا الفراغ الآن بين الطرفين المتعارضين. كما أنه قادر على تجنيد الجماهير التي ما زالت تتحرك بالأنساق العقائدية أو تحت ضغط ظروف الحياة المادية: المساجد عامرة بالمصلين، والأئمة المستقلون، طليعة الأمة، قادرون على قيادتها. اليسار الإسلامي ينقد السلفية من موضع الاشتراك في الجذور، وينقد العلمانية من موقع الاشتراك في الثمار، ولكنه هو الأقدر على تلبية مطالب الجماهير، وصياغة مشروع قومي يربط الماضي بالحاضر، ويحقق التغير الاجتماعي وقمته في الثورة من خلال التواصل لا من خلال الانقطاع. وهو وريث المعتزلة والفلاسفة والأصول والتصوف العملي القديم. كما أنه وريث حركة الإصلاح الديني الحديث، راجعا إلى جذوره (الأفغاني) ومنشطا إياه من جديد - بعد أن خف صوته على مراحل - حتى وصل إلى الحركة الإسلامية الحالية، فيتحول الإصلاح الديني إلى نهضة شاملة. كما أن اليسار الإسلامي قادر على إقالة الثورة العربية من عثراتها، حتى لا تبدأ هذه المرة بالضباط الأحرار بل بالمفكرين الأحرار.

3 (3)

الوحدة الوطنية: واليسار الإسلامي إنما يقوم بهذه المهمة تثوير التراث وممارسة العمل السياسي من الجذور التراثية في إطار الوحدة الوطنية. فاليسار الإسلامي لا يكفر أحدا. بل إنه يقبل كل التراث القديم بمعوقاته ودوافعه من أجل إعادة النظر فيها، وتصفيته من الأولى، وتحويل الثانية إلى رافد أساسي في وعينا القومي. كما يقبل الحركة العلمانية بكل فصائلها لأنه يفهم منطلقاتها ودوافعها. وقد انتشرت فوق تربتنا ثلاثة تيارات علمانية: الليبرالية قبل الثورات العربية الأخيرة، ثم الثورة العربية أو القومية العربية أو الاشتراكية العربية، وكلاهما قدر لهما أن يحكما ويحققا إنجازات وتنتج عنهما مخاسر، والحركة الماركسية التي بدأت في أوائل هذا القرن حتى الآن والتي لم يقدر لها أن تحكم إلا في بعض أطراف العالم العربي (اليمن الديمقراطي) أو داخلة في حلف مع الثورة العربية (سوريا، العراق). وطالما خسرنا جميعا باضطهاد الحركة الإسلامية على طول الخط، سواء قبل الثورة العربية أو بعدها، أو باضطهاد الليبرالية بعد الثورة العربية واضطهاد الماركسية قبلها وأحيانا بعدها. وطالما شوهت كل حركة الحركة الأخرى بتدعيم الدولة؛ فالماركسية كفر وإلحاد وعمالة، والليبرالية فردية رأسمالية انحلالية، والقومية عنصرية وشعوبية واغتراب، والإسلامية تزلف ورجعية ومحافظة. فأصبح الكل خاسرا، نزيل سجون، راغبا في الثأر من المجتمع أو الانقضاض على أخيه. وقد آن الأوان أن يعمل الجميع في إطار من الوحدة الوطنية. فلا حوار بين الفرقاء إلا بالليبرالية، ولا تحقيق لوحدة الأمة إلا بالقومية، ولا إعادة لتوزيع الدخل القومي إلا بالماركسية، ولا تغيير من خلال التواصل إلا بالحركة الإسلامية. الأمة طائر جسده القومية العرية نتاج الثورة العربية، وذيله الليبرالية، وجناحاه الإسلامية والماركسية، ورأسه الوحدة الوطنية. فلا يمكن أن يطير إلا بمجموع جسمه، وإلا سقط أو انحرف أو أصبح كسيحا لا يقوى على النهوض.

| رابعا: خاتمة: ضرورة إعادة بناء التراث

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ٧٧