تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والذين في أموالهم حق معلوم * للسائل والمحروم [المعارج: 24-25]، وفي المال حق غير الزكاة. والمجتمع الواحد الذي فيه إنسان واحد جائع تبرأ ذمة الله منه. و«ليس منا من بات شبعان وجاره طاو». وقد صحنا في حركاتنا الإصلاحية الأخيرة: «عجبت لرجل لا يجد قوت يومه ولا يخرج للناس شاهرا سيفه!» أو «عجبت لك أيها الفلاح، تشق الأرض بفأسك، ولا تشق قلب ظالمك!» (الأفغاني). وفرق بين أن نقول ذلك في أدبيات «الاشتراكية والإسلام» دعاية لنظام سياسي، وبين أن نثور الجماهير به، فتدافع عن حقوقها المسلوبة من عقائدها وتراثها. (4) الهوية ضد التغريب

ومما لا شك فيه أن قضية الهوية أو الأصالة تكمن وراء كل مشاكلنا الاجتماعية والسياسية لأنها هي المشكلة الحضارية. وما زلنا منذ فجر نهضتنا العربية الحديثة نطرحها، وندعو لها، وننبه عليها ولم نحلها بعد. وربما كانت معظم تياراتنا الفكرية الحديثة أقرب إلى التغريب منها إلى الأصالة؛ فالإصلاح الديني (الأفغاني) والليبرالية السياسية (الطهطاوي) والعقلانية العلمية (شبلي شميل) كلها ترى الغرب نمطا للتحديث ونموذجا للتقدم، ترى صورتها في مرآة الآخر، مما ولد الحركة السلفية حتى أصبحت وريثة الإصلاح. وقضينا على الليبرالية بأيدينا باسم الثورات العربية الأخيرة، وانتهى العقل والعلم من حياتنا بذيوع مسوح الإيمان والخرافة. ولا يمكن أن يوجد عمل سياسي إبداعي دون أصالة وضد التغريب، وما زالت أحزابنا السياسية حتى الآن، خاصة العلمانية منها، تصوغ القضية السياسية على نحو مغترب، وتجد الحل عند الآخر وليس بتحليل الأنا. هنا تظهر المواقف التراثية التي تضع التقابل صراحة بين الأنا والآخر؛ فالقرآن يحرم موالاة الغير، مصالحتهم أو مسالمتهم أو السلام معهم إذا ما اعتدوا على الديار. كما يحرم التقليد والتبعية للآخر لأنه محو للمسئولية الفردية وبالتالي المساءلة.

2 (5) الوحدة ضد التجزئة

قضية الوحدة، وحدة قطرية، وحدة وطنية، وحدة عربية أو وحدة إسلامية، هي إحدى قضايانا الرئيسية والتي تدخل ضمن برامج كل الأحزاب السياسية. ولكن ظلت القضية متعثرة، لا تتجاوز إعلان البيانات التي لا يتجاوز عمرها أياما ثم تنفض الوحدة أو تكون وحدة علم ونشيد وزعيم ورئيس، أو تظل أماني وأغاني، وأحلاما وأهازيج. والواقع نفسه يدعو إلى التجزيء والتشتت والتبعثر من جراء الخلافات على الحدود، والحروب والحملات الإذاعية، وتضارب المصالح، والصراع على السلطة. في حين أن العقائد التراثية خير ضمان للوحدة على كافة مستوياتها. الوحدة الوطنية في

أشداء على الكفار رحماء بينهم [الفتح: 29] أي الانفتاح على الداخل والجبهة الوطنية المتحدة أمام الأعداء في الخارج،

ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك [آل عمران: 159] درس آخر في القيادة وتكوين الجبهة، ووحدة على مستوى الأمة

إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون [الأنبياء: 92]،

أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار [يوسف: 39]. والإسلام أقدر المذاهب والأيديولوجيات على توحيد الشعوب حيث لا عنصرية ولا شعوبية ولا طائفية، وفي الوقت نفسه يعترف بالتقاليد واللغات والأعراف المحلية.

ويمكن تجاوز المعوقات التراثية وإظهار الدوافع في العمل السياسي بالوسائل الآتية: (1)

إيجاد البدائل: ويعني ذلك أننا ونحن في بداية القرن الخامس عشر الهجري تركنا العقلانية العلمية (المعتزلة والفلاسفة)؛ فالمحافظة الدينية أرسخ في وجداننا القومي من الليبرالية. وبالتالي كانت مهمتنا ضغط الألف عام إلى النصف وزيادة الأربعمائة عام إلى الضعف. في هذه اللحظة التاريخية فقط وحتى يتم ذلك يمكن أن ينجح أي عمل سياسي؛ لأن التعددية والليبرالية والعقلانية والعلمية قد أصبحت الرافد الأساسي والمكون الرئيسي لوعينا القومي. ومن ثم يكون الشرط التراثي الأول لأي عمل سياسي هو الانتقال من الأشعرية إلى المعتزلة، ومن إشراقية الفلاسفة إلى عقلانية ابن رشد، ومن الفقه الافتراضي إلى الفقه المصلحي، ومن التصوف النظري السلبي إلى التصوف العملي الإيجابي. وعلى هذا النحو تبدأ دورة ثالثة من الحضارة الإسلامية، بعد الدورة الأولى؛ عصر التكوين والازدهار، والقرون السبعة الأولى، والدورة الثانية؛ عصر الشروح والملخصات (القرون السبعة الثانية)، والدورة الثالثة والتي نحن في بدايتها في مطلع القرن الخامس عشر. لا يمكن إذن أن يتم أي عمل سياسي بدون فلسفة في التاريخ، ومعرفة في أية مرحلة تاريخية تعيش مجتمعاتنا وفي أي عصر تعيش أجيالنا بوجه عام وجيلنا بوجه خاص. وهذا يتطلب عملا سياسيا في التراث إذا أردنا أن يكون للتراث عمل سياسي فينا. ولا ضير في ذلك؛ فالتراث في كل عصر نتاج لظروفه السياسية والاجتماعية، وبالتالي فإن عملنا السياسي فيه يرجع إلى أصله الذي منه نشأ أول مرة. يتطلب العمل السياسي في التراث إعادة صياغة لغة جديدة إنسانية عقلانية مفتوحة بدل اللغة الدينية القانونية الاصطلاحية. كما يتطلب تغيير مستويات التحليل والرؤية من المستوى الفقهي إلى المستوى الطبيعي حتى تظهر حياة الناس، ثم تغيير المحاور من الأعلى والأدنى إلى الأمام والخلف؛ حتى يقل أثر نظرية الفيض فينا، ويظهر في وجداننا بعد الزمان ومسار التاريخ وحركتا التقدم والتخلف. فالأعلى عند القدماء هو الأمام بالنسبة لنا، والأدنى لديهم هو الخلف عندنا. كما يتطلب ذلك تغيير المحاور، من التمركز حول الله الذي دافع عنه القدماء نظرا للدين الجديد الحديث العهد، إلى الدفاع عن الإنسان وهو مظان الطعان في عصرنا والذي لم نبدأ الدفاع عنه حتى الآن. قد يفرض ذلك أيضا تغيير المناهج، من المناهج الاستنباطية التي تبدأ من النص إلى الواقع، إلى المناهج الاستقرائية التي تبدأ من الواقع إلى النص، فالوحي ليس نزولا مفروضا بل نداء للطبيعة وتلبية لمقتضياتها وقصدها نحو الكمال. وقد يفرض ذلك تغيير المادة «الدينية» القديمة كلها إلى مادة اجتماعية معاصرة، فالدين تعبير عن الأوضاع الاجتماعية، والوحي حلول للمشاكل الاجتماعية. (2)

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ٧٦