وبعد التحرير يأتي التعمير؛ فصورة الأرض في القرآن ليست الأرض الخراب الصحراء الصفراء، بل هي الأرض العمار المسكونة، الأرض المزروعة الخضراء التي ينزل عليها الماء فتهتز فتنبت من كل زوج بهيج، فلا الفيضان يغرقها ولا القحط يميتها. الأرض سوداء، والنيل يجري، ودجلة والفرات يسيلان، والعمل ناقص، والفلاح إما يكتظ به وادي النيل أو يشح في أرض الجزيرة وما بين النهرين. فيضان في بنغلاديش وقحط في تشاد وكأننا لم نعد قادرين على السيطرة على موارد الطبيعة، وكأن الله لم يسخر لنا قوانينها. ومن ضمن العقائد التراثية: الأرض لمن يفلحها، والأرض البوار لمن يصلحها «من أصلح أرضا فهي له».
1 (2) الدفاع عن الحريات ضد القهر والتسلط
إن التحدي الثاني الذي يواجه أي عمل سياسي هو القهر والتسلط وكل القوانين الاستثنائية المقيدة للحريات، وكل السلطات شبه المطلقة التي يتمتع بها الحكام، ملوكا أو أفرادا أو رؤساء. وقد أوشك أن يصبح عدد السجون مثل عدد المدارس، وخريجو السجون مثل خريجي الجامعات. فقد لا يوجد وطني واحد إلا ودخل السجن مرة وحتى ضرب المثل «السجن للرجال». هنا تأتى العقائد التراثية كي تساهم في العمل السياسي وتتحدى القهر والتسلط والتكبر وحكم الفرد المطلق. فالله وحده هو «المليك المقتدر» دون سواه. وهذا ما يعبر عنه أول ركن من أركان الإسلام «الشهادتان»: تعني أشهد رؤية أحداث العصر والإعلان عنها، ورفض الصمت والتواطؤ، أي الجهر بالقول والإعلان عن الحق المرئي، وقد يستتبع ذلك الشهادة؛ أي التضحية بالنفس في سبيل شهادة القول، ثم يقوم الإنسان بفعلين: فعل النفي في «لا إله» وفعل الإثبات في «إلا الله». وبفعل النفي، يحرر الإنسان شعوره من كل آلهة العصر المزيفة: الجاه، والسلطان، والمال، والجنس، وحب الدنيا؛ حتى يستطيع أن ينتسب إلى المبدأ الواحد، العام الشامل الذي يتساوى أمامه الجميع بالفعل الثاني «إلا الله». وتعني الشهادة الثانية الإعلان عن اكتمال النبوة واستقلال الوعي الإنساني عقلا وإرادة. كما يعبر عن حرية الإنسان شعار: «الله أكبر» أي لا متكبر سواه. لذلك كان شعار الثورة الإسلامية في إيران «الله أكبر، قاصم الجبارين». والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب ديني، وفرض شرعي يجعل الإنسان القادر عليه حرا، مراجعا للحكام وكذلك «الدين النصيحة». و«لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، فالطاعة للقانون، وسلطة الحاكم من العقد والبيعة، فإذا عصى الحاكم الشريعة وإذا أخل بعقد البيعة فلا طاعة له، ويجب الخروج عليه. وإن أعلى شهادة: «كلمة حق في وجه سلطان جائر»، و«الساكت عن الحق شيطان أخرس». بل إن وظيفة الحكومة الإسلامية هي «الحسبة» أي مراجعة نفسها بنفسها، والرقابة على نفسها وعلى الأسواق ومظاهر النشاط الاقتصادي والتلاعب بالأسعار وبقوانين السوق. إن الحاكم هو آخر من يأكل وآخر من يشرب وآخر من يلبس وآخر من يسكن، وإلا فلا سمع ولا طاعة له. (3) العدالة الاجتماعية والمساواة في مواجهة سوء توزيع الثروة والفروق الشاسعة بين الأغنياء والفقراء
وهي القضية الاجتماعية بالأصالة التي اجتمعت عليها كل الأحزاب السياسية، والتي من أجلها قامت الثورات العربية الأخيرة، والتي لأجلها ستهتز العروش والتيجان. فنحن أمة يضرب بها المثل بأقصى درجات الغنى وبأشد درجات الفقر، بالبطون المنتفخة وبالأفواه الجائعة، بالقصور المزخرفة وبالأكواخ الصفيح، وننتسب إلى أمة واحدة، ونعتنق دينا واحدا، ونؤمن بإله واحد. هنا تأتي العقائد الترائية لتقوية العمل السياسي وإعطائه شرعية من التاريخ. فالملكية لله وحده
ولله ملك السموات والأرض [آل عمران: 189]. والإنسان مستخلف فيما بين يديه. له حق الانتفاع، وحق التصرف، وحق الاستثمار، وليس له حق الاكتناز أو الاحتكار أو الاستغلال، ومن حق السلطة الشرعية التدخل بالتأميم والمصادرة في حالة سوء استعمال الثروة. وكل أدوات الإنتاج التي تمس الصالح العام ملكية جماعية لا يجوز وقوعها بين أيدي الأفراد، «الماء والكلأ» قديما والزراعة حديثا، و«النار» قديما والصناعة حديثا، والملح قديما والمعادن حديثا. «الركاز» أي ما في باطن الأرض، ملك للأمة وليس ملكا للأفراد. عرف القدماء الذهب والفضة والحديد والنحاس ... إلخ. وعرفنا نحن النفط. والعمل وحده مصدر القيمة بدليل تحريم الربا الذي يعني أن المال يولد المال بلا جهد أو عرق. ولا يجوز أخذ فائض قيمة من إنتاج عامل، فكل نتاجه له، وللدولة رأس المال. فإذا ظهر فرق في الدخول بين الأغنياء والفقراء فإن فضول الأغنياء ترد إلى الفقراء، والفضول ما زاد عن القوت.