وهي العلوم الرياضية مثل الحساب، والجبر، والهندسة، والفلك، والموسيقى. والعلوم الطبيعية وهي النبات، والحيوان، والطبيعة، والكيمياء، والطب، والصيدلة. والعلوم الإنسانية وهي اللغة، والأدب، والجغرافيا، والتاريخ. وهي نموذج للعلوم التي أثر فيها التوحيد وكان دافعا على الكشف العقلي والإبداع العلمي. فهناك علاقة بين اللاتناهي وحساب اللامتناهي، وعلاقة أخرى بين التوجه نحو الكواكب والنجوم ونشأة علم الفلك، وبين موسيقى القرآن ونشأة علم الموسيقى، وبين تصور القرآن للنبات والحيوان، وإبرازه للحياة ونشأة علوم النبات والحيوان، وبين الطبيعة والكيمياء، ومقتضيات المجتمع الفاتح وحاجات الحرب في صناعة الأسلحة وعلوم الطب والصيدلة. وقد نشأت علوم اللغة والأدب من تحليل بلاغة القرآن وإعجازه، كما ارتبطت نشأة علوم الجغرافيا والتاريخ بخرائط البلاد المفتوحة، والتعرف على العالم من أجل الاستخلاف عليه، والتفكير في سبب تقدم الأمم وانهيارها.
ولكننا انفصلنا عن هذا الجانب العقلي العلمي الإنساني الخالص الذي طوره الغرب، فكان وراء نهضته الحديثة. وأخذنا نحن ننقل العقلانية والعلمية والإنسانية الغربية التي هي تطوير لهذا الجانب فينا من تراثنا القديم. ثم عدنا نفتش عليه ونبعثه كفخر واعتزاز بالقديم دون أن يكون دافعا على الإبداع الجديد، ورفضا للنقل عن الغرب. حتى العلوم الإنسانية، اللغة، والأدب، والجغرافيا، والتاريخ، وقفنا عندها؛ إما عند أبحاث القدماء أو الاستيعاب والنقل عن المحدثين دون أن نساهم فيها. وما زلنا نعرض لقضية ابن خلدون: لماذا تنهار الأمم؟ ولا نضع سؤالا تاليا: كيف تتقدم الشعوب؟ وما هي شروط النهضة؟ ما زلنا ننقل عن الغرب الرياضيات الحديثة والطبيعيات الحديثة بل والعلوم الإنسانية المعاصرة. وفي هذا الجو الحضاري العام يستحيل العمل السياسي حيث لا إبداع للجديد ولا تطوير للقديم، ولا إعمال للعقل، ولا إجهاد للقريحة. فنصبح في العمل السياسي أيضا ناقلين. تتشبث الأنظمة القائمة بتراث القدماء وتنقل المعارضة تراث المحدثين (الماركسية أو الليبرالية أو القومية). والقديم أرسخ جذورا وأقوى شرعية من قشور المحدثين.
| ثالثا: العقائد التراثية ومواقع العمل السياسي
وبالرغم من المعوقات التراثية في العمل السياسي إلا أن هناك دوافع تراثية أيضا لتحريك العمل السياسي وضبطه وتنشيطه وترسيخه في وجدان الناس. فإذا رصدنا مشاكل عصرنا وتحدياته الرئيسية لوجدناها الآتي: (1) تحرير الأرض من الاستعمار والغزو
ما زالت قضيتنا الرئيسية هي احتلال الأرض. فما زالت بقع من أراضي العرب والمسلمين محتلة، من بقايا الاستعمار القديم (سبتة ومليلة مثلا)، ودول أخرى من الغزو الصهيوني الجديد (فلسطين وسوريا ولبنان). وما زال قائد المعركة، معركة التحرير، هي الأنظمة السياسية، والجيوش النظامية أو فصائل المقاومة، دون إشراك الشعوب التي ما زالت بكمها وكيفها خارج الميدان. هنا تستطيع العقائد الترائية المساهمة في معركة تحرير الأرض. وذلك أن «الله» وهو القيمة الأولى في نسق العقائد التراثي هو «إله السموات والأرض»،
رب السموات والأرض ،
وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله [الزخرف: 84] وبالتالي فإن إيمان الجماهير بالله هو في الوقت نفسه إيمان بالأرض، وموتها في سبيل الله هو استشهادها في سبيل الأرض، ومن يستولي على الأرض فإنه أسر نصف الإله ويجعله سجين الاحتلال! فإذا كان الإله في المسيحية هو «إله السموات» وفي اليهودية «إله الأرض» فإنه في العقائد التراثية «إله السموات والأرض». وبالتالي يمكن الوقوف أمام العقيدة الصهيونية التي ربطت بين الله والشعب والأرض والمدينة والمعبد والهيكل بصهيونية مضادة ومن نفس النوع لتحرير الأرض، فحرب العقائد لا تقل أهمية عن قعقعة السلاح.