تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يكون التراث خارج التاريخ والزمان والمكان، حقيقة أبدية لا تتطور أو تتغير ولا يخضع لتأويل أو تفسير أو وجهة نظر. يشمل الزمان والمكان ويطويهما فيه، فلا فرق بين ماض وحاضر ومستقبل، ولا وجود لمراحل التاريخ أو نوعية المجتمعات أو خصوصيات الشعوب. وبالتالي، تم التنكر للحاضر كلية، وتمت التضحية بأصول الفقه في سبيل أصول الدين، وغلبت العقيدة على الشريعة، وأصبح أصحاب التراث معبرين عن مبدأ أكثر منهم عاملين في الواقع ومغيرين له. يقف التاريخ لديهم في عصر ذهبي في الماضي، يكون هو التقاء الخلود والزمان. ومن ثم لا تتقدم الشعوب إلا بالرجوع إلى الماضي واختزال التطور، فلا يصلح حال هذه الأمة إلا ما صلح به أولها. يعيشون الماضي في الحاضر ويعيشون الحاضر في الماضي، والمستقبل غائب باستثناء المعاد، وخلود الأرواح. (5)

الواقع كله مدان، ولا يمكن تطويره أو إصلاحه بل هدمه من الأساس حتى يبدأ البناء الجديد على أسس راسخة، أصله ثابت وفرعه في السماء. فالهدم يسبق البناء، والموت شرط الحياة، والبداية من الصفر خير من البداية على ما هو موجود بالطبيعة. ولما كان الواقع باقيا، والحياة قائمة فإن الهدم لا ينتهي حتى يبدأ البناء، ومن ثم يبدو التراث عدائيا للواقع، رافضا له، خارجا عليه، سرعان ما ينتهي أصحابه بتدمير أنفسهم والواقع باق لم يتغير، والمجتمعات تندم وتتحسر على هذه الطهارة الضائعة الخاسرة. ولما استعصى الواقع طال الهدم ولم يأت البناء، فظهر السلب دون الإيجاب، والرفعة دون القبول. (6)

تتولد العقلية الانقلابية، وتغيير المجتمعات عن طريق الصفوة الطليعية المؤسسة، الجيل القرآني الجديد، القادر على تجنيد الأمة، ومواجهة قوى البغي والعدوان، والدفاع عن حاكمية الله لتقويض حاكمية البشر. يحدث الانقلاب في حياة الفرد أولا ثم حياة المجتمع ثانيا، فالتغير انقلاب، والثورة انقلاب على ما هو واضح أيضا في اللغة الأوردية. وبالتالي يتم العمل في الخفاء، سرا لا علانية، تحت الأرض أكثر منه فوق الأرض، بجهاز سري شبه عسكري، سرعان ما تكتشفه السلطة القائمة فتقضي عليه بقوة الجيش والبوليس المسلح. ولا ضير من استعمال العنف المسلح والاغتيال السياسي لتبديل الزمرة الحاكمة وإحلال الصفوة المؤمنة محلها. (7)

ويتم ذلك كله باسم الله دفاعا عن حقه، وتأكيدا لحاكميته، وتنفيذا لإرادته وامتثالا لطاعته، وطمعا في أجره وثوابه. ولا يتم باسم الإنسان، دفاعا عن حقوقه وتأكيدا لسلطانه وتحقيقا لمصالحه العامة حتى يعيش في دنياه حرا كريما. وبالتالي غابت النظرة الإنسانية، ونقصت الرحمة، وظهرت القسوة. والله يبرر شعوريا عند دعاة التراث سلوكهم؛ لأنهم يدافعون عن الشرع باسمه. انزوى الإنسان وخاف، وتقلصت قواه، وتجمدت طاقته وضغطت طبيعته. فولد الكبت والحرمان مظاهر التعويض والإشباع، وكأن الله ليس غنيا عن العالمين وفي حاجة إلى دفاع، وكأن الله لم يكرم بني آدم في البر والبحر ولم يجعله سيد العالمين. (8)

ويسود التعصب والتشنج، ويرفض الحوار مع الآخرين حتى انغلق أصحاب التراث على الذات وأسقطوا الآخرين من الحساب، فأصبحوا نرجسيين، يرون أشخاصهم وذواتهم في مرآة الآخرين. هم الحق وما سواهم الباطل، وبالتالي استحالت الوحدة الوطنية وانقسمت الأمة إلى فريقين متصارعين متعارضين، خصمان يكفر أحدهما الآخر، ويحمل كل منهما السلاح في وجه الآخر. وتستعملهما الدولة كل فريق ضد الآخر، فيحدث الشقاق بين قوى المعارضة، وتتوقف عملية التغير الاجتماعي، وتكون الخطورة أعظم إذا ما انشق دعاة التراث على أنفسهم، ودبت الخلافات فيما بينهم، كل فريق يدعي أنه على حق وصواب وما دونه الباطل. (9)

وتسهل المعارك الشكلية حين يصعب تغيير المضمون، فيظهر التغير على السطح في مظاهر اللباس خاصة وصورة البدن، مثل إطالة اللحى، والتمتمة بالشفتين والحجاب، والصلاة وإقامة الشعائر والطقوس؛ بحجة الاستعداد وعدم التسرع، والإعداد للمعارك القادمة، فيبقى الواقع الاجتماعي لا يتغير، وتثار المشاكل الوهمية في مجتمعات التنمية مثل فصل الذكور عن الإناث، أو التجمهر لإقامة مصلى، ولا يجد الضنك والبؤس والفقر والجوع من يتصدى له، ويرتفع المترفون، وتستسلم الأمة، ويضيع استقلالها على رائحة العطر ومعارض كتب التراث ومعارك الحجاب. (10)

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ٦٠