وسرعان ما تجد القوى المحافظة في النموذج التراثي خير دعامة لإيقاف حركة التغيير الاجتماعي، فتتمسك بالقديم، وتحافظ على الأصول، وبالتالي تجد شرعيتها في التراث بعد أن فقدتها في الواقع، وتتأصل في المبدأ وتختفي وراءه وتستعمله كقناع يخفي التسلط في الواقع ونهب ثروات الأمة، لذلك عم النموذج التراثي في النظم المحافظة، وأصبح دعامة الإقطاع العشائري والحكم القبلي، والنظام الأسري، وتحولت قيم الأصالة والصلابة والإيمان إلى موانع للتغير الاجتماعي، وأصبحت القيم القديمة خير دعامة للنظم المحافظة. ولا تجد قوى التغير الاجتماعي لديها أية وسيلة لمواجهة القديم أو النظام القائم وإلا اتهمت بالخروج على المجتمع، خاصة إذا كانت المحافظة هو التيار الغالب على ثقافة الجماهير.
| ثالثا: عيوب النموذج اللاتراثي
وفي مقابل النموذج التراثي، وكرد فعل عليه يظهر النموذج اللاتراثي. يقطع الصلة بالقديم لبناء الجديد على أسس من العلم والمعرفة وبالجهد الإنساني الخالص بعد اكتشاف عورات التراث وعدم ثباته أمام العلم الجديد، فالتقدم نحو الجديد مرهون بالتخلص من القديم، وهو درس عصر النهضة الأوروبي في القرن السادس عشر خاصة وحتى الآن. وكما ظهرت «البدائية» كتجمعات محلية ظهرت أيضا الحركات التحديثية العلمية العلمانية على النمط الأوروبي كتجمعات فوقية
Super-Groups
مفروضة على مجتمعاتنا من الخارج. وأهم عيوب النموذج: (1)
يحدث تغيير في السطح لا في العمق، وفي العرض لا في الجوهر، وفي الأطراف لا في المركز. فتتغير مثلا الحروف الوطنية في اللغة إلى الحروف اللاتينية، كما يتغير اللباس الوطني إلى اللباس الأوروبي، والموسيقى الشرقية إلى الموسيقى الغربية، والمنازل العربية إلى المنازل الحديثة، والمدارس الوطنية إلى المدارس الأجنبية، واللغة العربية إلى اللغات الأوروبية، وبدلا من أن تكون البلاد جزءا من الشرق تصبح قطعة من أوروبا، وكان التحديث هو ترك الأنا وتقليد الآخر، والقضاء على الهوية والوقوع في التغريب، وكما يقول الشاعر: «لبسنا قشرة الحضارة، والروح جاهلية.» (2)
يحدث التقدم في الخارج في مظاهر الحياة المدنية من صناعة وزراعة وتجارة وعمران، ولكن على أساس من التخلف في الداخل. فيقام التصنيع بعقلية الزراعة وانتظار الفيضان وسقوط الأمطار، وبذر الحبوب وانتظار الحصاد، وكأن التصنيع سيحضر عقليته معه ويفرز قيمه في الزمان والتنظير والآلية. وتقام مزارع ومديريات الإصلاح الزراعي بعقلية الإقطاع أو بنظام بيروقراطي، ويدار القطاع العام في التجارة بعقلية القطاع الخاص. فسرعان ما ينهار التقدم بانتهاء دور النخبة التحديثية، وتظهر المحافظة في الأعماق، ويبدو التخلف كمرحلة تاريخية لا يمكن عبورها بمجرد تغيير المظاهر الخارجية. (3)
يحدث تغيير في الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية كما يحدث تغيير في الأبنية الاجتماعية دون أن يقع تغيير مواز في أنساق القيم. فسرعان ما تعود الأنظمة القديمة متطابقة مع نسق القيم القديم بمجرد اختفاء قوى الحراك الاجتماعي التي أحدثت هذا التغيير وهي في موقع السلطة السياسية. وكأن نسق القيمة هو الأساس الواقعي الوحيد للبنية الاجتماعية مهما اختلفت الأيديولوجيات وآراؤها حول أولوية الأبنية التحتية أو الأبنية الفوقية. فتحدث التنمية دون مفهوم التقدم، ويتم التحرير والتعمير دون مفهوم الأرض، وتتسع رقعة الخدمات دون مفهوم الإنسان. (4)
ونتيجة لذلك يحدث انفصام في الشخصية الوطنية، وتتجاور فيها طبقتان من الثقافة؛ الأولى تاريخية متصلة محافظة أصيلة، والثانية حديثة منقطعة تقدمية مستوردة. وتوضع الثانية فوق الأولى دون أن تنبع منها أو تكون تطويرا لها، ويحدث الاشتباه في الشخصية القومية كما هو الحال في تركيا وبولندا؛ طبقة راسخة من الإسلام وفوقها طبقة من التحديث الغربي في الأولى، وطبقة راسخة من الكاثوليكية وفوقها طبقة من الماركسية في الثانية. وتنقسم الأمة إلى فريقين وكما هو حادث في مجتمعاتنا العربية والإسلامية بين أنصار التعليم الديني وأنصار التعليم العلماني. (5)