والمجتمعات البشرية بالنسبة إلى تراثها على ثلاثة أنواع: الأول ما يسمى بالمجتمعات «البدائية» وهي المجتمعات التراثية التي يكون فيها تراثها ماضيها وحاضرها ومستقبلها، ويكون دينها وفنها وفلسفتها وأسلوب حياتها، ويكون بديلا عن واقعها وفكرها ويقوم مقام عملها ومعرفتها. وفي هذه المجتمعات لا يحدث تغير اجتماعي قصدي، بل يحدث تقدم في أساليب الحياة العملية طبقا للمحاولة والخطأ، أو إيهاما بوسائل السحر وأساليب الخرافة.
والثاني ما يسمى بالمجتمعات «المدنية» أو المجتمعات الحديثة أو المجتمعات الغربية المتقدمة، وهي المجتمعات اللاتراثية التي كان فيها تراث يوما ما يكون ماضيها وحاضرها ومستقبلها ثم تكشف لها تعارض بعض جوانب هذا التراث مع العلم الحديث والعقل البسيط أو الحياة المدنية العصرية التي تقوم على العقد الاجتماعي الحر، فنفدته أولا وتركته ثانيا، ولم تستبق منه إلا ما اتفق مع المعرفة الجديدة والعلم الحديث والنزعة الإنسانية بعد معركة فاصلة بين القدماء والمحدثين، بين أنصار القديم وأنصار الجديد.
والثالث ما يسمى بالمجتمعات «النامية» أو المجتمعات المتحررة حديثا وهي المجتمعات التي ما زالت في مرحلة انتقال بين القديم والجديد، تحاول الخروج من التراث إلى الواقع والذي تثار فيه قضايا الأصالة والمعاصرة، وتعرض عليه النماذج التراثية واللاتراثية، ويتأرجح بين التقليد والتجديد، ويتجاذبه تيارا الانقطاع والتواصل في هذه المجتمعات، وهي مجتمعاتنا التي لم تحسم فيها القضية بعد والتي تثار فيها قضية «التراث والتغير الاجتماعي». فهي مجتمعات تراثية تشارف على العصر بعد أن جابهت الاستعمار وحققت الاستقلال الوطني وبدأت التنمية الاجتماعية الشاملة.
| ثانيا: النموذج التراثي
والنموذج التراثي لا يوجد فقط في المجتمعات «البدائية» بل قد يوجد أيضا في جماعات محلية تحتية
Sub-groups
داخل المجتمعات المدنية. لذلك يصفها علماء الاجتماع باسم «البدائية»
Primitivism . وبالنسبة لنا في المجتمعات النامية يكون لهذا النموذج عدة عيوب رئيسية، وأهمها: (1)
يؤخذ التراث على أنه غاية في ذاته وليس مجرد وسيلة لتحقيق غاية أخرى هو تقدم الشعوب ونهضة المجتمعات. فالتراث قيمة في حد ذاتها يحرص عليها، ولا يمكن تناولها بالنقد أو التغيير. التراث مصدر القيم، وهو في حد ذاته قيمة روحية. هو مضمون الإيمان أو «المطلق في التاريخ». هو «المقدس» الذي لا يمكن تدنيسه بالبحث الإنساني أو بإعمال العقل، أو بتحويله إلى «الدنيوي» أو «العلماني». وفي هذه الحالة يكون التراث والدين شيئا واحدا، وتنفى عنه صفة الإبداع الإنساني، وكأنه من صنع الروح الإلهي والنفح النبوي. يفعل في الناس، ويوجه المجتمعات، ويحدد المصائر، يجب الخضوع له، والثورة عليه كفر وإلحاد. ويشمل الكتب المقدسة والمؤلفات الصوفية والفقهية والعقائدية، ويضم الضريح والولي وكل صاحب عمامة وبائع عطور! (2)
يكون التراث مستقلا عن الواقع وليس جزءا منه أو موجها له، فهو فكر وواقع، عقيدة وشريعة، تصور ونظام، دين ودنيا، مصحف وسيف ... إلخ. ويكون بديلا عن الواقع، يطرد الواقع الحالي، ويحل محله الواقع التراثي، ويتم الخلط بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن، بين المبدأ والواقع، أو بلغة الأصوليين بين الأصل والفرع. أو على الأقل ينبغي على الواقع الحالي أن يطوع نفسه طبقا للواقع التراثي، فالتراث لا يقبل واقعا من خارجه يند عنه أو يهرب منه أو يثور عليه. التراث ملزم ومشرع وقادر على احتواء كل شيء خارجه. التراث هو الذات والموضوع، الأنا والغير، الروح والمادة، مغلق على نفسه، لا يمكن النفاذ إليه. (3)
التراث كل لا يتجزأ يؤخذ كله أو يرفض كله، لا يقبل الترقيع أو التوفيق مع تراث آخر مغاير. التراث وحدة واحدة لا بداية له ولا نهاية، يبدأ من ذاته ويعود إلى ذاته، منه البداية وإليه المنتهى. الناس صنفان: مؤمن أو كافر، ولا وسط بينهما، فلا وسط بين الحق والباطل أو بين الصواب والخطأ. لذلك تحولت الجماعات التراثية إلى جماعات مستغلقة على نفسها تتزاوج فيما بينها ولا تسمع أو تطيع إلا لمن هو فيها، بل وتهاجر وتكون جماعات كلية متطهرة في ربوع الصحراء أو على أطراف المدن لا تتعامل مع غيرها إلا بعد التحول من النقيض إلى النقيض، ومن الضد إلى الضد. (4)