وإذا كانت الإلهيات طبيعيات مقلوبة فإن ما يبقى منها هو النفس والعقل؛ أي الإنسان من حيث هو قوى نظرية وعملية، ويدخل في ذلك الأخلاق والاجتماع والسياسة والتاريخ. ونظرا لأهمية هذا الجانب في عصرنا فإنه لا يمكن تركه محاصرا بين الطبيعيات والإلهيات القديمة كعنصر ربط بينهما دون أن يصبح قسما مستقلا. وبالتالي تكون بنية الفلسفة رباعية: المنطق، الطبيعيات، الإلهيات، الإنسانيات. وهو ما حاول إخوان الصفا إضافته في القسم الرابع فيما سموه «العلوم الناموسية والشرعية». وتكون المهمة في هذا الجزء الانتقال من الأخلاق الفردية إلى الأخلاق الاجتماعية، ومن ثنائية الفضائل والرذائل إلى توظيفها الاجتماعي طبقا للطبقات الاجتماعية: أخلاق الأمر والنهي للطبقة العليا، وأخلاق القانون والنظام للطبقة الوسطى، وأخلاق الفقر والقهر للطبقة الدنيا. إن وصف المدن الفاضلة سهل ما دام الأمر هو التعبير عما ينغي أن يكون، ولكن تحليل الجدل الاجتماعي ووصف واقع الناس ومعرفة أسباب الانهيار وشروط التقدم هو الأنفع والأقرب إلى تحقيق مصالح الناس. وإذا كان القدماء قد أفاضوا في إثبات خلود النفس وفناء البدن وكسبوا المعارك النظرية فإن المحدثين يستطيعون وصف مآسي البدن؛ فمآسينا من جوع وقحط وعري، ومشاكلنا في المواصلات والإسكان والنظافة وضيق المكان؛ كلها آتية من سوء تدبير البدن. ومن هنا تنشأ مشاكل النفس بصرف النظر عن قدرة الصفوة على تجاوزها والإبقاء على طهارة النفس، رغما عن ضرورات البدن.
2
| ثامنا: خاتمة: مسئولية من؟
هذا بحث في الفلسفة والتراث وحال الأمة. وإضافة الطرف الثالث الذي يعبر عن ماهية العلاقة بين الطرفين الأولين ضروري، وإلا كان البحث في الفلسفة والتراث أشبه بما هو سائد حاليا في نداوتنا العلمية ومحاضراتنا الجامعية. وتلك مهمة المؤتمر الفلسفي العربي وما قد ينبثق منه من جمعية فلسفية عربية تحقيقا وفعلا، تكون الموطن الطبيعي لإبداعات فكر الأمة بعد أن انتظر الناس طويلا أهل الحل والعقد وعلماء الأمة، وكما انتظروا أيضا أولي الأمر الذين وضعوا العربة أمام الحصان.
1
وما زال الجميع ينتظر المخلص. وتلك مسئولية أساتذة الفلسفة أولا وقبل كل شيء بوعيهم بالتراث وبرؤيتهم لأحداث العصر، بفكرهم كعلماء وبممارستهم كمواطنين. وقد تكون تراثنا القديم بفضل علماء الأمة الذين أسسوا المدارس، وصاغوا المذاهب، وشكلوا العقائد. إن تحقيق الوحدة العضوية بين العالم والمواطن، بين حق العلم وواجب المواطنة هو السبيل إلى الجمع بين التراث والفلسفة وحال الأمة.
ثم إنها مسئولية الطلاب ثانيا الذين يشكلهم الأساتذة، سواء في الدراسات العامة أو في الدراسات العليا، كعلماء ومواطنين يجمعون أيضا بين حق العلم وواجب المواطنة، يتأثرون بهم ويردون عليهم، ويكونون مذاهب بديلة، في حوار صريح وعلني. فقد نشأت الفلسفة كما نشأ التراث كله نتيجة لحوار بين المذاهب وخلاف بين العقائد. فالكل راد والكل مردود عليه. وما من حجة إلا ولها حجة مناقضة، وما من موقف إلا وله موقف بديل، ليس الطلاب نسخة منا، ولكنهم تطوير لنا، وزيادة علينا، أو قلب وتغيير لفكرنا رأسا على عقب.
وإنها لمسئولية الدولة ثالثا أن تقف على الحياد التام في الخلاف الفكري بين العلماء وفي حرية الاختيار بين المذاهب. فالسلطة ليست حجة، والفكر ناصح والسلطة سامعة. ليس للسلطة مفكروها ولكن المفكرين يخاطبون الناس الذين يختارون ممثليهم، ويبايعون أئمتهم، ويعقدون على ولاة أمورهم، فالإمامة عقد، وبيعة، واختيار.
| التراث والتغير الاجتماعي1
| أولا: أنواع المجتمعات البشرية بالنسبة إلى تراثها
تمتاز المجتمعات البشرية على غيرها من المجتمعات الحيوية بأنها مجتمعات تراثية تحتفظ بتاريخها الماضي وتدون آثارها، أو تحفظه شفاها ثم ترويه الأجيال السابقة إلى الأجيال اللاحقة. ومن هنا ارتبط تاريخ الإنسانية بعلم النقوش والآثار والحفائر كما حفظت حياة المجتمعات في السجلات والحوليات، وخلد الملك على حوائط المعابد والمقابر. فإذا كانت التجمعات الحيوانية تحفظ تجاربها السابقة في سلوكها وتعلمها من المحاولة والخطأ، فإن التجمعات البشرية تحفظ هذا التاريخ وتدونه كتابة. التجمعات البشرية هي إذن وحدها التي لها تاريخ، وبالتالي كان تاريخها سجل حياتها ومرآة روحها، وهو ما أكدته فلسفة الحضارات البشرية.