تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9

أما العلوم «الإنسانية»: اللغة والأدب والجغرافيا والتاريخ، فإنها لا تكاد تذكر في أقسام الفلسفة، وتحولت علوم اللغة والأدب إلى أقسام اللغة العربية وآدابها، أما الجغرافيا والتاريخ فلا يكادان يذكران لا في أقسام الفلسفة ولا في الأقسام المختصة بهما كالجغرافيا والتاريخ. فالجغرافيا علم غربي معاصر بكل أنواعها، والتاريخ مجرد مراجع عامة ومصادر تركها القدماء تحتوي على أخبار بصرف النظر عن دلالاتها. إنما تركناهما كهواية للأساتذة أو المثقفين يكتبون عن الجغرافيين العرب والمؤرخين العرب، وكيف أنهم قد حازوا قصب السبق، كانوا رحالة يجوبون الأرض، ويضعون الخرائط، ويصفون البقاع، وكانوا مرشدين في عصور «الكشوف الجغرافية» الغربية دون بحث عن دلالات ذلك كله في توجيه الوحي العقلي نحو الطبيعة والدعوة إلى التفكر في الجبال والأنهار والوديان، وأسباب نزول الأمطار واندلاع البرق وإطلاق أصوات الرعد، وعلل الزمهرير والثلج والصقيع والضباب، وأسباب الحرارة والبرودة، وفي توجيه الوحي العلماء إلى السياحة في الأرض، والانتشار في العالم، والتعرف على عادات الشعوب والقبائل، واكتشاف سنن الله في الخلق.

10

| رابعا: تغير ظروف العصر

إن الدوافع على إعادة النظر في التراث الفلسفي خاصة، وفي التراث كله عامة، علومه وأبنيته وحلوله واختياراته وبدائلها الممكنة؛ هي تغير الظروف كلية من عصر إلى عصر، ومن فترة إلى فترة. فإذا كنا الآن في مطلع القرن الخامس عشر أو جاوزناه بقليل فوراءنا أربعة عشر قرنا من التراث يندرج تحت فترتين: الأولى امتدت سبعة قرون، منذ القرن الأول حتى القرن السابع. نشأت في قرنين: الأول والثاني، وازدهرت واكتملت في قرنين «الخامس والسادس» منذ هجوم الغزالي على العلوم العقلية في القرن الخامس ومحاولة ابن رشد رأب الصدع في القرن السادس. ولما كانت الضربة قاضية وكان ابن رشد نفسه محاصرا من الفقهاء في المغرب وبعيدا عن أن يمتد أثره في المشرق أسرع الانهيار في السابع والثامن. وفي ذلك الوقت ظهر ابن خلدون ليؤرخ للفترة الأولى متسائلا عن أسباب الانهيار. وكان طبيعيا أن ينشأ الوعي التاريخي بعد اكتمال إحدى فترات التاريخ.

أما الفترة الثانية فتمتد من القرن الثامن حتى القرن الرابع عشر، أيضا على مدى سبعة قرون، تؤرخ فيها الحضارة لنفسها، وتحفظ نفسها بالتدوين، فظهرت الموسوعات الكبيرة، أو تشرح نفسها بنفسها وتلخص إبداعاتها في عصر الشروح والملخصات اجترارا وتمثلا ثانيا، باستثناء بعض الإبداعات المتأخرة في إيران وتركيا وفي أطراف العالم الإسلامي في المناطق غير الناطقة بالعربية، بقايا حياة في الأطراف بعد أن توقف القلب. ثم ظهرت الحركات الإصلاحية ابتداء من القرن الثاني عشر؛ الوهابية ثم الأفغاني وتلاميذه في القرن الثالث عشر حتى حسن البنا والإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية الحالية في القرن الرابع عشر ومطلع هذا القرن، كل حركة تعكس ظروف عصرها وترد عليها.

هناك إذن فترتان متمايزتان في تراثنا القديم وفي حضارتنا الإسلامية؛ الأولى الفترة القديمة، والثانية الفترة الحديثة. الأولى اكتملت فيها الحضارة في دورتها الأولى، والثانية ما زلنا نشاهدها. في نهاية الأولى أرخت الحضارة لنفسها، وفي الثانية حاولت النهوض. ونحن جزء منها، وارثين الحركة الإصلاحية ومحاولين تطويرها إلى نهضة شاملة. الأولى تعادل في التراث الغربي العصر الوسيط فيه، والثانية تعادل عصوره الحديثة، وعلى هذا يكون التقابل بين التراثين، التراث القديم والتراث الغربي محددا جدل الأنا والآخر. عصر الازدهار والاكتمال لدينا في الفترة الأولى هو العصر الوسيط الأوروبي، وعصر التدوين والشروح والملخصات، أي التوقف والاجترار في العصور الغربية الحديثة، فليس تراثنا القديم هو العصر الوسيط، إسقاط الآخر على الأنا، كما أننا لا نعيش في العصور الغربية الحديثة، إسقاط الأنا على الآخر.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ٤٧