وتتقابل الفترتان، الأولى والثانية، في تراثنا القديم تقابل الأضداد على النحو التالي: (1)
نشأت الحضارة في فترتها الأولى في عصر كانت الأمة فيه منتصرة، وكانت جيوشها فاتحة. استطاعت أن ترث الإمبراطوريتين القديمتين، الفرس والروم، في أسرع وقت ونشر الإسلام في أواسط آسيا شرقا حتى حدود الصين، وغربا حتى الأندلس وعبر البرانس. صحيح أن الإسلام انتشر في أفريقيا في الفترة الثانية وإبان مرحلة الضعف والخمول، وانتشر أساسا عبر الطرق الصوفية وبعض حركات الاستقلال ضد الغزو الأوروبي، ولكن قلب العالم الإسلامي كان مهزوما ومحاصرا، وبالتالي نشأت العلوم الإسلامية في زهو الانتصار ومن ثنايا الفتح. فنشأت تصورات العلوم على هذا النحو، الأولوية للإرادة المسيطرة على حرية الإرادة في علم الكلام، لواجب الوجود على ممكن الوجود في الفلسفة، ولله على العالم في التصوف، وللنص على الواقع في الأصول. كانت العلوم بمراكزها وأولوياتها نموذج الدولة القوية المسيطرة، والإمبراطورية المترامية الأطراف. ولما استتب الأمر للنظم الحاكمة استقرت العلوم وأكسبت النظم شرعية نظرية وفقهية، واستمر الإفراز المتبادل بينهما؛ الدولة تفرز أيديولوجياتها، والأيديولوجيات تدعم الدولة.
وقد تغيرت الظروف الآن، وأصبحت الأمة في فترتها الثانية مهزومة بعد أن تلقت الهجمات الصليبية غربا وغزوات التتار والمغول شرقا، ثم الاستعمار الحديث غربا من جديد، بعد أن استعصى على الهجمات الصليبية غزو العالم الإسلامي برا وفي القلب، وكان من السهل الالتفاف حول العالم الإسلامي بحرا وحول الأطراف. انهزمت الأمة بعد أن كانت منتصرة، واحتلت بعد أن كانت مستقلة، وتجزأت بعد أن كانت موحدة، وتخلفت بعد أن كانت في أعلى مراحل التقدم والتنمية. أصبحت الأمة محاصرة، معتمدة على الآخر في غذائها وسلاحها، في علمها وتنميتها، تخلت عن استقلالها الذاتي إلى تبعيتها للآخر. أرضها محتلة في فلسطين وسبتة ومليلة، وبها قواعد عسكرية أجنبية أو داخلة في أحلاف عسكرية مباشرة أو غير مباشرة تحت ستار معاهدات الصداقة والتعاون. ودائعها في الخارج لتنمية القوى الغربية، ثم تستجدي المعونات وتستعطف السداد وتقليل الفوائد، وتطالب بفترات السماح. أصبح إشكال أساتذة الفلسفة أنهم يدرسون علوما نشأت في مرحلة الانتصار ويعيشون في واقع مرحلة الهزيمة. فحدث عدم تطابق بين مادة العلم التي يحملها الأساتذة ويسمعها الطلاب والواقع الجديد الذي يعيشه كلاهما على حد سواء. وبالتالي انعزلت الفلسفة ولم تجد لها آذانا صاغية. لم تعد تخاطب جمهور القراء. تحولت عند بعض الأساتذة إلى مادة للمقررات وإلى تكسب بالعلم وحمل الشهادات، ونيل الجوائز، والواقع لا يتغير، يئن من وطأة الفصام بين الثقافة في مرحلة الانتصار والواقع الحالي في مرحلة الهزيمة. وأصبح هذا الفصام أحد مظاهر نفاق العصر كله. وإذا سن القدماء: الإسلام أو الجزية أو القتال، والإسلام منتصر، فكيف بالأمة اليوم وهي غارقة في أتون الاستجداء والاستعطاف والتبعية؟ (2)
لما كانت الجيوش فاتحة والأمة منتصرة في الفترة الأولى لم يستطع خصومها النيل من قوتها أو الوقوف أمام زحفها، فالتفوا من الخلف وإلى مصدر قوتها وهو الدين الجديد وعقيدة التوحيد؛ لضربه والنيل منه. ظهرت حركات الزندقة والتشويش على العقائد للالتفاف حول الإسلام من الباب الخلفي، من باب النظر وليس من باب العمل، من باب العقائد وليس في أتون المعارك. وكان الخصوم من أنصار الديانات القديمة كالمانوية والمذاهب السائدة في الأراضي المفتوحة كالمجوسية، أو الديانات التي دخل معها الإسلام في جدال عقائدي كاليهودية والنصرانية، وبالتالي نشأت العلوم الإسلامية، العقلية النقلية، للدفاع عن العقيدة الجديدة والدخول في معارك العقائد ضد الفلسفات والمذاهب والديانات القديمة. وكان من الطبيعي أن تتصدى الحضارة لمواطن الخطر في العقائد النظرية بعد أن اطمأنت إلى سيطرتها على الأرض وتحول الجمهور إلى الدين الجديد.