أما علوم الحديث فإنها استطاعت بحق أن تضبط صحة أقوال الرسول بعد أن تشعبت وزادت ونقصت، واختلط الصحيح منها بالموضوع، وبعد أن رفض الأوائل تدوين مصدر ثان للتشريع مع اكتفاء بالمصدر الأول. كانت ظروف العصر الأول تحتم النقد الخارجي والاعتماد على صحة السند؛ استدلالا منه على صحة المتن. ونشأ علم الجرح والتعديل وعلم ميزان الرجال؛ لقرب العهد برواة الحديث. ولكن الظرف الآن قد تغير، وبعد عهدنا عن عهد الرواة، وأصبح عصرنا أكثر قدرة على النقد الداخلي، أي إعطاء الأولوية للمتن على السند، والاستدلال على صحة الحديث من صحة المتن، واتفاقه مع العقل والحس، مع البداهة والواقع، مع التجربة البشرية ومصلحة الجمهور. وهي بعض مقاييس صحة سند المتواتر مثل: استقلال الرواة أي عدم خضوع الراوي لأية ضغوط لتغيير الذمة، واستحالة التواطؤ والاتفاق على تغيير الرواية بوجود العدد الكافي من الرواة حتى يصبح الاطراد في القول أساس الصحة مثل اطراد التجربة البشرية، التجانس في الزمان أي تجانس انتشار الرواية عبر العصور، لا خفاء فجأة أو شهرة فجأة؛ حتى يمكن معرفة مواطن الوضع وجماعات المصلحة التي تريد إخفاء النص أو نشره.
أما الفقه فإنه كان أيضا وثيق الصلة بالعصر القديم، فغلبت فيه العبادات على المعاملات؛ نظرا لقربه من عصر الوحي، ولحداثة العبادات ونجاح المعاملات، وتبويب الفقه بأيدي فرق السلطان حتى يقنن للناس شريعة تغلب عليها الشعائر والطقوس، ولا تتعرض إلى الحياة العامة إلا في الفروع، وكما هو الحال في الإمامة في علوم أصول الدين عندما وضعت كآخر مسألة في نسق العقائد، كفرع لا أصل، على هامش العقيدة وليس في صلبها؛ اتباعا للعرف وليس طبقا لضرورة العقل ومقتضيات العقيدة. في حين أن أزمة عصرنا في هذه الغلبة بالذات وتواري المعاملات عن العبادات، وامتلاء حياتنا العامة بالعبادات، وانفلات المعاملات طبقا للمنافع الشخصية وأساليب الاستغلال، وتهريب رءوس الأموال مع غطاء فقهي صوري من المصارف الإسلامية وشركات توظيف الأموال. لقد كان هم الفقه القديم معرفة الأحكام الشرعية، الحلال والحرام؛ نظرا لقربه من عصر النبوة وحاجة الناس إلى هذه المعرفة. واقتفينا الأثر، وزايدنا في الإيمان، فركزنا على الحلال والحرام، تاركين المندوب والمكروه أو محيلين إياهما إلى الحلال والحرام كما فعلت الصوفية من قبل، ونسينا المباح. طرحنا سؤال التحليل والتحريم في كل شيء حتى أصبحت حياة البعض منا هاجسا وسواسا يرى الحرام في كل شيء، مع أن الحلال أو المباح أحد أحكام الشرع الخمسة. وكل ما سكت عنه الشرع تحليلا أو تحريما فهو مباح. ولا حلال إلا ما حلله الشرع ولا حرام إلا ما حرمه الشرع. أحالت فرقنا الإسلامية المعاصرة - مثل الصوفية قديما - المكروه إلى الحرام، والمندوب إلى الواجب، وتحولت حياة المسلم إلى ثنائية الحلال والحرام، وضاعت حياة التوحيد، وانزوت أمام المانوية الأولى وثنائيات الخير والشر وتعارض النور والظلمة، وضاعت من النفس الطمأنينة والسكينة وحياة السلام، وتحولت إلى حياة الحرب والتضاد والصراع في معركة وهمية غير متكافئة بين قوى الفرد وقوى الإحباط وصنوف القهر، أو ما يسمى بقوى الخير وقوى الشر، بين الفضيلة والرذيلة. مع أن روح العصر تتطلب تحرير الناس من عبودية الحكام وأسر التقاليد وقهر القوانين ودعوتهم إلى الطبيعة أساس الوحي، وبدئهم بالمباح أو الحلال أساس الشريعة، براءة الذمة أو البراءة الأصلية؛ رحمة بالناس.
كما درسنا العلوم العقلية والطبيعية الخالصة في مادة «تاريخ العلوم عند العرب» سواء العلوم الرياضية أو الطبيعية، مكررين نظريات القدماء أو مقارنين بينها وبين العلوم الغربية المعاصرة، حاكمين بأنه كان لنا قصب السبق على غيرنا؛ حتى نرضي أنفسنا تجاه الإحساس بالنقص، وتعويضا للتوقف الحالي ما دمنا في الماضي قد سبقنا غيرنا، فإن ذلك قد يشفع لنا تأخرنا الحالي أو قد يعطينا وهما باللحاق، وقد تكون أقرب إلى تاريخ العلوم الصرف في المراحل السابقة لتطور العلم الغربي الحديث، وبالأخص نقل علوم اليونان وترجمتها إلى العلم الغربي قبيل عصر النهضة، وهي صورة تاريخ العلم العام من وجهة النظر الأوروبية حث يصب كل شيء في الغرب الحديث منذ البدايات الأولى للعلم في الصين والهند وفارس ومصر وعند العرب المسلمين. وما العلم العربي والإسلامي إلا حلقة اتصال بين العلم اليوناني والعلم الغربي، لنا شرف النقل وجهد الحامل، وإن استعصى الأمر أحيانا على فهم المسلمين، فأساءوا التأويل وخلطوا بين العلم والدين، بين أرسطو وأفلاطون. ولم ندرك أنه حتى التسمية «تاريخ العلوم عند العرب» خاطئة؛ لأن الموضوع هو نشأة العلم عند المسلمين؛ لأن حملة العلم كانوا مسلمين كما أن العلم نشأ بفضل الإسلام الذي يجب الجنسية والقومية. وإن القول بأن أكثر حملة العلم كانوا من العجم هو رد على خطأ بخطأ آخر، عجم في مقابل العرب، ومجموع الخطأين لا يكون صوابا. حتى وإن كانت العروبة تعني اللسان فإن بعض المؤلفات العلمية مكتوب باللغات الفارسية والتركية والهندية. كما أن التعريب قد تم بفضل الإسلام. إن المهم لدينا ليس هو تاريخ العلوم الذي وصل الغرب إلى نهايته وجعل كل مساهمات الشعوب اللاغربية أذيالا له، وفصل عن قصد بين العلم وتاريخ العلم، بين البيئة والتطور، بين النهاية والبداية، بين الغرب ومصادره في الشرق. إن ما يهمنا في العلوم العقلية الخالصة هو كيفية خروج هذه العلوم من التوحيد؟ ما الصلة بين وظيفة العقل وتصور الطبيعة من ناحية، وبين التوحيد من ناحية أخرى؟ هل استطاع التوحيد توجيه العقل نحو الفكر الخالص بفعل التنزيه، وتوجيهه نحو الطبيعة بفعل الإرادة والخلق؟ هل استطاعت هذه العلوم الكشف عن الهوية التامة بين الوحي والعقل والطبيعة؟ هل استطاعت أن تضع هوية العقل والطبيعة على أنها هوية الوحي ودون الإحالة إليه؟ كيف استطاع العلم الإسلامي الخروج من التوحيد أو كيف تحول التوحيد إلى علم عقلي طبيعي خالص؟ كيف طبع التوحيد العقلية الإسلامية موجها إياها نحو الرياضيات الخالصة والعلم التجريبي الخالص؟ هل هناك صلة بين أوصاف الذات: القديم أي ما لا أول له، والباقي أي ما لا نهاية له بحساب اللامتناهي في الرياضيات؟ هل هناك صلة، بين الواحد وحساب التفاضل والتكامل؟ ما الصلة بين التنزيه والفن الإسلامي، أي توالي الأشكال الهندسية إلى ما لا نهاية من كل الجهات؟ ما الصلة بين الابتعاد عن التجسيم والتشبيه في الصفات وبين الابتعاد عن التصوير والنحت في الفن؟ هل هذه الدوافع ما زالت باقية بعد أن استقر التوحيد وجمد في الأذهان، أم أنها مستمرة لا تخضع لروح العصر بل تنبع من البنية الداخلية للفن ولتكوين العمل الفني مثل أولوية الفنون السمعية على الفنون البصرية، بصرف النظر عن الوحي كلمة أو ألواحا؟ هل يمكن أن تنشأ فنون الرسم والنحت والتصوير لدينا بدوافع إسلامية دون تقليد للغرب؟ إن العلم الحالي لدينا إما نقل عن العلم الغربي دون تعرف على فلسفته وأسسه النظرية، نهاية بلا بداية، تطبيق بلا نظرية، وإما انغلاق على الذات ورفض له باعتباره قائما على تصورات ودوافع لا إسلامية، ثم تتحول هذه التصورات والدوافع إلى عقائد وأشياء لا توجه الشعور، ولا تؤثر في الذهن، ولا تطبع العقلية بشيء، لا تثير فيها إبداعا، لا تثير العقل الخالص ولا توجهه نحو الطبيعة.