4 (1)
احتكار النظم السياسية للعمل الوطني وعزل المثقفين الوطنيين عنه؛ خشية من تعدد الآراء، وإيثارا للرأي الواحد ليس فقط في الأهداف الوطنية، بل أيضا في الوسائل لتحقيق هذه الأهداف. (2)
عدم تجنيد طاقات الشعب كلها لخدمة القضية الوطنية، وبالتالي انعدم من المواطنين الولاء القومي، باستثناء اللحظات الحاسمة في تاريخ البلاد مثل 9-10 يونيو 1967م، وحرب أكتوبر 1973م، ويومي 18، 19 يناير 1977م. (3)
العزلة عن الواقع وعدم وجود خبرات محلية تبدأ منها التجربة الوطنية حتى يحدث الإبداع، وكأن الناس تعيش في أوطانها بأجسادها دون أرواحها؛ لأنها أسيرة الضنك أو الاحتكار. (4)
الهجرة إلى الخارج أو ما سمي «استنزاف العقول» ثم امتصاص الخبرات الوطنية في الثقافات الغربية وترك البلاد بلا «كادر» قادر على التنمية. (5)
الهجرة إلى الداخل والانزواء والتقوقع على الذات، والحزن والبكاء على ما فات، والحسرة والندم، وحالات الاكتئاب النفسي، وتحويل الوطنيين إلى مرضى نفسيين. (6)
التخصص العلمي الدقيق دون وعي سياسي يمكنه توظيف هذا العلم؛ نظرا لما ينشأ عن العلم من نجاح مهني وما ينشأ عن السياسة من مخاطر وأضرار للمهنة وللقمة العيش. (7)
التعايشية والارتزاق والرغبة في إيثار السلامة، وتوظيف العلم لمن يدفع أكثر داخل البلاد أو خارجها، فالعلم لا وطن له إلا الدخل الفردي! (8)
محاصرة المبدعين وإجهاض العقول حتى يحدث الإحباط العام ليس فقط في الخارج ولكن أيضا في الروح؛ حتى يتم القضاء على آخر حصون المقاومة ويعلن الجيل الفشل التام، وأنه «الإفلاس التاريخي» فتندثر حضارة الأمة وتتحول إلى متاحف التاريخ.
5
| الفلسفة والتراث1
| أولا: مقدمة: ماذا تعني الفلسفة والتراث؟1
أصبح لفظ الفلسفة شائعا في فكرنا المعاصر وإن كان أقل شيوعا في تراثنا القديم الذي فضل لفظ الحكمة، وأسس لها علوما بأكملها هي علوم الحكمة.
2
وإن كان بعض القدماء قد استعمل أيضا لفظ الفلسفة ويعني بها الفلسفة اليونانية خاصة،
3
بينما آثر البعض الآخر استعمال تعبير «الفلسفة الأولى» على العموم.
4
أما لفظ «التراث» فإنه من استعمال المعاصرين تحت أثر الفكر الغربي وكترجمة لا شعورية وغير مباشرة لكلمات مثل
Heritage, Legacy, Uberlieferung
مما يدل على نهاية مرحلة وبداية أخرى.
5
ففي الوقت الذي يتحول فيه الماضي إلى تاريخ ينشأ الوعي التاريخي فاصلا بين القدماء والمحدثين. حدث ذلك عندما أصبح أرسطو مؤرخا معلنا اكتمال الفلسفة اليونانية، وفي معركة القدماء والمحدثين في القرن السادس عشر إبان عصر النهضة الأوروبي وعند ديكارت في القرن السابع عشر مميزا نفسه عن القدماء ومعلنا نهاية العصر الوسيط حتى انتصر الجديد كلية في العصور الحديثة وبدأت المرحلة الثانية في الوعي الأوروبي. وقد حدث ذلك أيضا عند ابن رشد في الفلسفة الإسلامية عندما أرخ للسابقين عليه، وعند ابن خلدون عندما أرخ للحضارة كلها وحاول وضع قانون لقيام الحضارات وسقوطها. ومنذ الإصلاح الديني الحديث والسؤال قائم بصياغات مختلفة: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟
6
وأما ما يسمى عند الباحثين من جيلنا - العقل العربي - في «تحديث العقل العربي» أو «نقد العقل العربي» أو «تكوين العقل العربي» فإنه مفهوم غريب على التراث. فالعقل لا قومية له. هناك العقل الخالص الذي يوجد في كل إنسان، الفاعل أو المستقل، بالقوة أو بالفعل، بالملكة أو المستفاد، وهو إحدى قوى النفس ولا يدل على حضارة أو تراث. نشأ في أمة إسلامية، العرب أحد شعوبها، يتحدثون اللسان العربي. وقد نشأ المفهوم في الغرب إبان المد القومي في القرن التاسع عشر الأوروبي مثل «العقل الألماني» و«العقل الفرنسي» و«العقل البريطاني» أو «العقل الأوروبي» و«العقل اليهودي»، ومن نفس البيئة خرج «العقل العربي» تروجه الأوساط القومية والعنصرية في الغرب، ويعطي خصائص ثابتة للشعوب وطرق تفكيرها؛ استئنافا لمفهوم «العقل البدائي» في علم الأنثروبولوجيا إبان نشأته الأولى.