وفي الماركسية يتم تجاوز الحاضر أيضا إلى المستقبل، فالسلفية والماركسية بالرغم مما يبدو بينهما من تعارض ظاهري إلا أنهما في حقيقة الأمر يشاركان في خطأ واحد وهو التنكر للحظة الحاضرة، والمرحلة التاريخية المحددة التي تمر بها الشعوب. فلا يمكن الانتقال من الإقطاع إلى الشيوعية دون المرور بمراحل متوسطة من الليبرالية والعدالة الاجتماعية والاشتراكية الدينية أو الخلقية ثم الاشتراكية العلمية. ولا يمكن الانتقال من الخرافة إلى العلم دون المرور بالمراحل المتوسطة من عقلانية وتنوير. إن معرفة دور الأجيال وتقسيم المراحل بينها يمنع من أن يقوم جيل بدور أجيال قادمة وينسى دوره الخاص. ودور جيلنا هو الانتقال من الإصلاح إلى النهضة، وقد تأتي أجيال قادمة للانتقال من النهضة إلى الثورة. ومن ثم كانت النهضة الحلقة المتوسطة بين الإصلاح والثورة. فاستباق المستقبل ينسي ثقل الماضي وما فيه من عقبات للتقدم لم يتم التغلب عليها ودفعات عليه لم يتم استخدامها. كما أنه ينسي اللحظة التاريخية الحاضرة التي قد ترفض أية مزايدات تاريخية عليها. وغالبا ما يكون مصير هذه الحركات أيضا تكوين جماعات منعزلة فوف الأرض للثقافة والفن، أو تحت الأرض سرعان ما تصطدم بالسلطة وتقضي بقية نشاطها السياسي في السجون. (ب) اللحظة التاريخية الحاضرة
إن شرط النهضة الحضارية الأول هو التعرف على اللحظة التاريخية الراهنة التي تعيشها المجتمعات الناهضة، وابتداء من هذه اللحظة تحدد مسارها وخططها ومراحل تحولها وأهدافها القريبة والبعيدة. ومن هنا أتت ضرورة وضع الأمة في منظور تاريخي يعطيها إياه إحساسها بالتاريخ وبقانون حركته.
واللحظة الراهنة التي تمر بها الأمة يمكن وصفها على النحو التالي: (1)
أزمة الغرب، أزمته المعنوية في المذاهب السياسية والأيديولوجيات والقيم، وأزمته المادية الاقتصادية، أزمة الطاقة، والإنتاج، والتسويق، والتضخم، وسباق التسلح والخطر النووي. ويعبر مفكرو الغرب عن هذه الأزمة بعبارات: انهيار الغرب، سقوط الغرب، انتحار الغرب، نهاية الغرب ... إلخ. وكأن الغرب قد قام بدورته منذ الإصلاح الديني إلى النهضة إلى العقلانية إلى التنوير إلى الثورة، ثم إلى الأزمة في النهاية (شبنجلر، هوسرل، برجسون، نيتشه). (2)
اكتشاف الشرق والبعد الآسيوي للحضارة البشرية بعد أن حاك الغرب حوله مؤامرة الصمت (جارودي، نيدهام)، وأن آسيا تمثل الرصيد البشري والمعنوي للشعوب المتحررة حديثا. وبداية الانفتاح على الشرق ليس فقط من حيث تأييد الثورة الاشتراكية للثورة العربية كما حدث في العقدين الماضيين، ولكن الانفتاح الثقافي واكتشاف الهند والصين وإيران وآسيا الوسطى وجنوب شرقي آسيا، وأول ما انتشر العرب ذهبوا إلى الشرق وأول ما انتشر الإسلام انتشر شرقا.
3 (3)
اكتشاف القدرات الذاتية للأمة العربية والإسلامية بعد ثوراتها الأخيرة فيما تمثله من إبداع في مشروعها القومي، وتكوين تجمعات جديدة: باندونج، دول عدم الانحياز، شعوب آسيا وأفريقيا، القارات الثلاث، العالم الثالث، واكتشاف إمكانياتها المعنوية والمادية؛ فهي الشعوب التاريخية التي وضعت البشرية في بداياتها على طريق النهضة والتقدم في الماضي، وهي الشعوب التي استطاعت إبداع ثقافات التحرر الوطني في الحاضر، وهي الشعوب التي تمثل على المسرح الدولي النظام العالمي الجديد، بالإضافة إلى إمكانياتها البشرية والمادية وما لديها من مواد أولية وأسواق وأيد عاملة ورءوس أموال وقدرات هائلة على الإبداع لما وصل إليه مثقفوها وعلماؤها من درجة قصوى في الإتقان والأداء. (ج) حصار الإبداع وإجهاض العقول
لذلك كان المشروع المضاد لمشروع النهضة العربية هو حصار الإبداع وإجهاض العقول، وذلك على النحو الآتي: