7
وماذا يعني التراث؟ هل المقصود هو التراث الفلسفي، خاصة أي ما يسمى بعلوم الحكمة عند الكندي وأبي بكر الرازي والفارابي وابن سينا وابن باجة وابن طفيل وابن رشد وأبي البركات البغدادي وفخر الدين الرازي، وكأن لفظ الفلسفة الأول يأتي كمخصص قبل المخصص وليس بعده أم أن المقصود التراث الفكري كله الذي يشتمل على الفلسفة والكلام والتصوف وأصول الفقه، أو التراث كله الذي يشمل العلوم العقلية النقلية الأربعة والعلوم النقلية الخمسة والعلوم العقلية الخالصة الرياضية أو الطبيعية؟
أما حرف العطف «الواو» فهو أصعب تحديدا وأدق معنى. فمنطق العلاقات أصعب وأكثر تشابكا من منطق الجواهر. السؤال إذن: ما الصلة بين الفلسفة والتراث، تلك الصلة التي يشير إليها حرف العطف ويفترضها منذ البداية؟ هل المقصود كيف نشأت الفلسفة، أي علوم الحكمة في تراثنا القديم؟ أم أن المقصود هو صلة الفلسفة المعاصرة التي ندرسها في جامعاتنا ومعاهدنا بالتراث الفلسفي القديم؟ الأرجح هو الثاني. فالأول سؤال تاريخي أكاديمي خالص وإن كانت له دلالته المعاصرة في أن الفلسفة قد نشأت من تراثنا القديم في حين أن الفلسفة في عصرنا إما نقل من النشأة الأولى دون نشأة ثانية، أو نقل عن التراث الغربي المعاصر بعد أن أصبح الغرب الحديث هو المركز وما سواه من الشعوب والحضارات هي الأطراف. وانتقال العلوم والمعارف من المركز إلى المحيط مثل انتقال الجيوش والخبرات وبرامج الإرسال من أجهزة الإعلام. والثاني سؤال يكشف مباشرة عن أزمة الفلسفة في عالمنا العربي اليوم.
8
لماذا تبدو الفلسفة وكأنها وليد مريب في بيئة ثقافية تلفظها؟ وفي كلتا الحالتين الفلسفة في أزمة لأنها تبدو وكأنها إما نقل للمذاهب الغربية الحديثة والمعاصرة كما هو الحال في جامعاتنا في تدريس فلسفات القرنين السابع عشر والثامن عشر في الفلسفة الحديثة وفلسفات القرنين التاسع عشر والعشرين في المعاصرة ونقل للعلوم الإنسانية الغربية مثل علوم المنطق والنفس والاجتماعى والأخلاق والسياسة والجمال، أو نقل للفلسفات والعلوم القديمة مثل علوم الكلام والفلسفة والتصوف، باستثناء أصول الفقه الذي لم يحظ حتى الآن بإدخاله ضمن العلوم الفلسفية بالرغم من التنبيه على أهميته والتحذير من إغفاله.
9
وعلى أقصى تقدير يتم وضع بعض جوانب التراث القديم في العلوم الفلسفية الغربية المعاصرة كبدايات لها، وصياغات لا علمية في مرحلة ما قبل العلم، وأسوة بما يحدث في التراث الغربي في نظرته للتراث الشرقي باعتباره بدايات العلم قبل صياغاته الأخيرة في العصور الحديثة،
10
وأحيانا تعقد بعض مقارنات بين رواد المثالية في الفلسفة الغربية ومؤسسي حركة الإصلاح الديني في فكرنا المعاصر.
11
وقد يكون المقصود من «الفلسفة والتراث» هو صلة الفلسفة كواقع حالي، أي كفكر ومنهج واختيار، بالتراث القديم بالمعنى الفلسفي الخاص أو بالمعنى الحضاري العام. كيف يتعامل أساتذة الفلسفة حاليا باسم الفلسفة مع هذا التراث القديم؟ ما هي مسئولية الفلسفة كمنهج والتزام بالنسبة للموروث الفلسفي القديم؟ هنا تشير العلاقة بين الفلسفة والتراث من خلال حرف العطف إلى الجبهة الثالثة في موقفنا الحضاري، أي الواقع الحالي، وكيف يفرض نفسه، في حالة استيقاظه، على التراث القديم، يتفاعل معه، وينتقي منه، وينقد رواسبه، ويطور عناصره التي توقفت، ويبرز مواطن قوته.
وعلى أية حال، سواء كان المقصود المعنى الأول الذي يجعل العلاقة بين الفلسفة والتراث سؤالا تاريخيا خالصا مشيرا إلى تراثنا القديم (الجبهة الأولى)، أو كان المقصود هو المعنى الثاني الذي يجعل هذه العلاقة سؤالا فلسفيا معاصرا قريب الصلة بالفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة؛ حيث إن لفظ الفلسفة أقرب إليها (الجبهة الثانية)، أو كان المقصود علاقة الفكر ذاته والفلسفة كعملية ممارسة للتفلسف وصلتها بالتراث القديم (الجبهة الثالثة)، فإنه يظل سؤالا مطروحا بكل هذه المعاني الثلاث وفي هذه الجبهات الثلاث، خاصة وأنها معان متداخلة وجبهات متشابكة. وتكون الصعوبة في معرفة إلى أي حد تميل العلاقة بين «الفلسفة والتراث» إلى أي من هذه المعاني أو الجبهات الثلاث.