تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الانعزال عن الواقع الإحصائي المحلي، وعدم إعطاء الأولوية للواقع على النظرية، وبالتالي تقع النظرة العلمية في تصور لا علمي بإنكارها مادة العلم. (5)

عدم قيام وحدة وطنية بين التيارات السياسية المختلفة، والاستئثار بالسلطة، ثم تفكك التيار السياسي الواحد إلى مجموعات وفئات وطوائف وأجنحة، كل منها يبغي تصفية الآخر، فتفرض عشائرية التخلف ذاتها على شمولية المذهب السياسي. (6)

الولاء للآخر الممثل في الثورة الاشتراكية الكبرى، وتجسيدها في إحدى الدول العظمى، وبالتالي فقدان الإرادة الوطنية المستقلة. (7)

إعطاء الأولوية للمذهب على الوطن، وللشمول على الخصوصية، فيظل الحاكم هائما في الهواء لا مستقر له يخشى الانقلاب أو ينعم بالسكينة في بحر من اللامبالاة. (ج) الليبرالية أو الرأسمالية

وهو التيار الذي بدأ في فجر النهضة العربية الحديثة، والذي لم يبدأ من الموقف التراثي الذاتي أو الغيري، بل بدأ من واقع الأمة ذاتها ونهضتها، والذي بدأه الطهطاوي وخير الدين التونسي ولطفي السيد. وقد قدر له أن يحكم بالفعل في مصر، وكانت من مآثره: (1)

بناء الدولة الحديثة، دولة محمد علي، وتكوين أول محاولة في المنطقة للنهضة الحضارية، وما زالت آثارها في الترع والسدود ووسائل النقل والموانئ ودور الثقافة والطباعة. (2)

نشأة الفكر الليبرالي وما يحمله من مفاهيم الحرية والدستور والعدالة. وقد كان مشبعا بفكر الثورة الفرنسية، وبمفاهيم العدالة والمساواة، وارتباطه بالتاريخ وبمفاهيم التقدم والثورة. (3)

اتحاده بالحركة الوطنية وتفجير الثورات الوطنية مثل ثورة عرابي وثورة 1919م، وبالأحزاب الوطنية حتى تحول إلى حركة مناهضة للاستعمار على يد الجماهير قبيل الثورات العربية الأخيرة. (4)

ارتباطه بالاتجاه الإسلامي سواء من حيث تأصيل الليبرالية في التراث الذاتي أو من حيث إعادة فهم التنوير على أساس إسلامي وبناء الدولة الإسلامية الشرعية، وتمثله أيضا القيم التي نادى بها دعاة العلمية والعلمانية.

ولكن كانت حدوده كالآتي: (1)

نشأة الرأسمالية كنتيجة طبيعية لليبرالية السياسية، خاصة وأنها في بلاد محدودة الدخل تصبح أقرب إلى الإقطاع. (2)

سيادة النظم الملكية الوراثية وهي نظم تتعارض مع الليبرالية السياسية، ويفرضها التخلف المتوارث. (3)

التلاعب بالحرية والدستور، والدخول في لعبة الأحزاب البرلمانية والأغلبية والأقلية وتغيير الوزارات. (4)

الفساد العام وسيادة الرشوة، والتهرب من الضرائب، وذلك في نطاق الأقلية الحاكمة في مقابل الأغلبية التي يسودها الثالوث الشهير: الفقر والجهل والمرض.

ولهذه الأسباب قامت الثورة المصرية، ولكنها لسوء الحظ اصطدمت بالاتجاهات الثلاثة الرئيسية في وجداننا القومي، فاصطدمت بالإخوان الذين كانوا يمثلون آخر خيط في الإصلاح الديني، كما اصطدمت بالماركسية ممثلة في الأحزاب الشيوعية، واصطدمت بالليبرالية الممثلة في حزب الوفد، وكل ذلك من أجل الصراع على السلطة، ولم تستطع، لسوء الحظ، أن تقيم جبهة وطنية تنصهر فيها هذه التيارات الثلاثة، خاصة وأنها كانت متقاربة في أهدافها ومتشابهة فيما تنادي به. كما أنها لم تنشئ تنظيما سياسيا شعبيا لديها يحمي مكتسبات الثورة. وبالإضافة إلى طابع الحكم الفردي الذي ساعد على سلبية الجماهير نشأت طبقات جديدة أثرت على حساب الثورة وورثتها في النهاية.

2 (3) الزمان والتاريخ

ويبدو أن نهضتنا الحضارية قد تعثرت في هذا القرن بالرغم من بداياتها الطيبة في القرن الماضي؛ نظرا لعدم وجود تصور جدلي للعلاقة بين الزمان والتاريخ، بين مرحلة التجربة الوطنية ومراحل التاريخ. (أ) الرجوع إلى الماضي واستباق المستقبل

لما تطور الإصلاح الديني وتحول إلى السلفية على يد رشيد رضا ثم الاخوان المسلمين فقدت مفهوم التقدم والتاريخ، وعادت إلى الوراء إلى أيام الإسلام الأول. فالسلفية إذن نقل للحظة الحاضرة إلى الماضي لنقص في القدرة على تحليل الواقع وعلى حصر عوامله واستقصاء محركاته. وما أسهل الرجوع إلى الماضي وعيش الواقع بالخيال، وتمني التحقيق بالأحلام، فذاك يعطي عزاء وحمية، وصدقا في القول، فلا أحد يقدر على أن يعارض المبدأ. فيتقدمون إلى الوراء مع تشنج وتعصب أو تكوين جماعات مغلقة منفصلة عن المجتمع فوق الأرض أو في الصحراء أو تحت الأرض. وسرعان ما يتم اصطدامها مع سلطة الدولة.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ٣٨