بروز القومية العربية كحركة تحرر وطني في الخارج في مواجهة الاستعمار والصهيونية، وفي الداخل في مواجهة الرجعية والتخلف، وتوحيد المنطقة والدفاع عن إرادتها الوطنية المستقلة، وظهور القومية في مضمونها الثوري على خلاف المذاهب الثورية السياسية التي تجعل وحدة المذهب السياسي تجب القوميات وخصوصيات الشعوب. (6)
تكوين حركة عدم الانحياز منذ مؤتمر باندونج وبالاشتراك فيها مع الهند ويوغسلافيا، وتكوين منظمة تضامن شعوب آسيا وأفريقيا، ومؤتمر القارات الثلاث، والدفاع عن دول العالم الثالث وحقها في السيطرة على ثرواتها. (2) اتجاهات النخبة
وتتمثل اتجاهات النخبة السياسية في الاتجاهات الفكرية التي سادت فكرنا المعاصر منذ فجر النهضة العربية، وهي اتجاهات ثلاثة:
1 (أ) الإصلاح الديني أو الإسلام السياسي
وهو التيار الذي بدأ منذ آخر الفقهاء القدماء، ابن تيمية حتى أول المصلحين المحدثين محمد بن عبد الوهاب، وسار في أثره الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا والكواكبي وعبد الحميد بن باديس والسنوسي وعبد القادر المغربي والألوسيان والمهدي، وأخيرا حسن البنا وسيد قطب، وهو يبدأ من التراث الذاتي للأمة من أجل إصلاح ديني يكون مقدمة لحكم إسلامي دون وضع شروط نهضة أو مقومات ثورة. وقد أظهر هذا الاتجاه: (1)
الثورة ضد الاستعمار، وقد مثل ذلك الأفغاني في «العروة الوثقى» والسنوسي والمهدي وعبد القادر المغربي. (2)
الدفاع عن الحرية والديمقراطية، والدعوة إلى النظم البرلمانية، وإلى إقامة الدستور وتغيير سلطة الحكام. (3)
الدعوة إلى الاشتراكية والعدالة الاجتماعية، وأخذ حقوق الفقراء في أموال الأغنياء وامتلاك الفلاحين للأرض، وثورة المحرومين العاطلين كما هو الحال عند الأفغاني. (4)
الإسهام في حركة التقدم، وذلك بالدعوة إلى العلم والقوة والصناعات الحربية من أجل إنشاء الدولة الحديثة. (5)
الدعوة إلى وحدة الأمة الإسلامية أو الجامعة الشرقية في مواجهة الاستعمار الغربي.
ومع ذلك فقد كانت حدود هذا الاتجاه: (1)
احتياجه إلى صياغات فكرية وبرامج وطنية أكثر إحكاما وتفصيلا، فالوجدان الثوري في حاجة إلى برنامج الثوري؛ حتى لا تستمر اليقظة الثورية إلى ما لا نهاية كما هو حادث في إيران. (2)
عدم رفض الفكر الطبيعي المادي باعتباره فكرا ينكر الروح واستقلال المبادئ، وقد كان الفكر الطبيعي جزءا من التراث الذاتي عند أصحاب الطبائع من المعتزلة. (3)
نقص التمييز بين الإصلاح والنهضة والثورة وعدم استمرار الحركة الأولى وتطورها في الحركات التالية. (4)
انتهت حركة الإصلاح إلى سلفية؛ نظرا لأنها لم تحكم ولم تقم بجبهة وطنية ولم تجند الجماهير وراءها إلا في إيران. (ب) العلمية أو الماركسية
وهو الاتجاه الذي بدأ ابتداء من تراث الغير سواء عن طريق التحديث من الخارج بالترويج للفكر العلمي الغربي أو التحديث من الداخل بتأصيل بعض التيارات الغربية في تراثنا الذاتي. ولم يحكم هذا التيار أيضا إلا في جبهات وطنية عريضة (سوريا والعراق) أو في أطراف العالم العربي (اليمن الديموقراطي). وقد كانت له المميزات الآتية: (1)
الثورة على الواقع ومناهضة الاستعمار، وتغيير البناء الاجتماعي، وإحراز مظاهر التقدم والبدء في التنمية. (2)
الحماس والنشاط والفاعلية والحيوية والصفوة المختارة والنخبة الثورية وهي عصب الحكم وقوام الدولة.
ومع ذلك كانت حدودها: (1)
عدم التخلص من تراث الغير، وسيادة الماركسية «الغريبة» دون انبثاق الأيديولوجية الثورية من التراث الذاتي والتجربة الوطنية. (2)
الدجماطيقية، وتطبيق النظريات الجاهزة على واقع قد يتحملها ولكن يظل ساكنا بالنسبة لها، وقد لا يتحملها فيثور عليها إذا ما تهيأت ظروف الثورة. (3)
الصعوبة الفكرية وغرابة القوالب الذهنية، وعدم فهم قوانين الجدل أو تحول الكم إلى كيف، أو نفي النفي لدى شعوب أمية تستشهد بآيات الله وأقوال الرسول وبالأمثال العامية والحكم والأمثال والشواهد الشعرية. (4)