تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الفلسفة المدرسية تحولت التعاليم الدينية من الكنائس إلى المدارس، ومن المعابد إلى الجامعات. كما تحول فيها الوعي الديني الأوروبي من الأفلاطونية الإشراقية إلى الأرسطية الطبيعية. وعاد التشكل الكاذب المضاد مرة ثانية، أي أخذ النسق الأرسطي في الحقيقة واستعمل الدين الجديد في الظاهر. وقد ظهر في هذه المرحلة أثر الفكر الإسلامي وامتداده سواء من المتكلمين أو الحكماء؛ تدعيما للتيار العقلاني المدرسي حتى اتحدت الفلسفة بالدين؛ أسوة بالنموذج الإسلامي، وأصبح المسلم نموذجا للفيلسوف في مقابل اليهودي والمسيحي.

وفي عصر الإحياء في القرن الرابع عشر بدأت العودة إلى الأصول، وهو اتجاه إسلامي، بالبحث عن النصوص والتعامل معها مباشرة دون وساطة أحد. وكانت الأصول في الآداب القديمة. وظهر المصدر اليوناني الروماني مخلصا للوعي الأوروبي من الأصل اليهودي المسيحي. وفي عصر الإصلاح الديني في القرن الخامس عشر قامت نفس الحركة للعودة إلى الأصول ولكن في الدين من أجل الإصلاح، والقضاء على سلطة الكنيسة واحتكارها للتفسير والعلم، وتأكيد حرية الإنسان في الفهم والتفسير، ورفض الوساطة بين الإنسان والله، وإعطاء الأولوية للداخل على الخارج، وللأخلاق على العقائد، ولم يكن النموذج الإسلامي بعيدا عن غايات الإصلاح.

وفي عصر النهضة بدأ تأسيس الوعي الأوروبي على أسس جديدة بنقد الموروث حتى يمكن التحرر منه كمصدر للعلم وكقيمة في السلوك، والتحول إلى العقل والطبيعة كبديل عن الوحي والسلطة. ووضع الإنسان مركزا للكون على أنه بدن قبل أن يكون نفسا. فنشأت علوم الأحياء والتشريح والطب الحديثة، ثم أتت العقلانية في القرن السابع عشر تتويجا للعقل الذي أصبح له سلطان على كل شيء: الدين، والفلسفة، والعلم، والسياسة، والاجتماع، والأخلاق، والقانون. وبلغ الوعي الأوروبي أعلى درجة من الشمول والاتساع. ثم أتى عصر التنوير في القرن الثامن عشر بعد تفجير العقل في المجتمع، فاندلعت الثورات، واهتزت الأنظمة، وسقطت العروش والتيجان، وتأسس كل شيء في العقل والطبيعة، وخرجت أفكار الحرية والعدالة والمساواة والتقدم والإنسان والطبيعة والتاريخ، وتحولت الفلسفة إلى ثورة، والفيلسوف إلى كاتب للجماهير وقائد لهم.

ثم أتى عصر الثورة الصناعية عندما تراكم العلم، وظهرت الاكتشافات العلمية والاختراعات الحديثة، وحلت الآلة محل الإنسان في الإنتاج، وظهرت الطبقة العمالية، وقامت الثورات الاشتراكية. ثم أتى القرن العشرون لإحداث ثورة صناعية ثانية: عصر التقنية، وفي الوقت نفسه بداية أزمة العلم، وأزمة الوعي الأوروبي، وبداية النهاية منذ ديكارت حتى هوسرل، منذ الأنا أفكر حتى الأنا موجود، وبالتالي تكون الملحمة قد شارفت على النهاية.

بعد هذا التطور الكمي التراكمي للوعي الأوروبي اخترع بناء خاص اكتمل أيضا في النهاية. فالوعي الأوروبي ذو بناء ثلاثي أشبه بالبواعث أو المقاصد أو الاتجاهات؛ الأول هو الاتجاه العقلاني الذي بدأ في الأنا أفكر في القرن السابع عشر عند ديكارت، واستمر فيه الديكارتيون: اسبينوزا وليبنتز ومالبرانش، ثم تم تأكيده من جديد في الفلسفة النقدية عند كانط. لقد أصبح العقل مشرعا للواقع، والأنا، من جديد، مركزا للعالم كالشمس وسط الكون. ثم تطور العقل عند تلاميذ كانط حتى ابتلع كل شيء: الروح والطبيعة، الحس والذهن، الحضارة والتاريخ حتى بلغ أكبر قدر من الصورية والشمول، وهو بمثابة اتجاه يبدأ من الأنا ويعرج إلى أعلى. والثاني هو الاتجاه التجريبي الذي بدأ من بيكون في المنطق الجديد من أجل تأسيس المعرفة الحسية وصدقها في التطابق مع الواقع، وليس في تطابق الذهن مع نفسه فقط. واستمر التيار نفسه في المدرسة الأنجلو سكسونية: لوك وهوبز وهيوم، الذين طبقوا المذهب الحسي في الدين والأخلاق والاجتماع والسياسة، فيكون هذا بمثابة اتجاه يبدأ من الأنا هابطا إلى أسفل.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ١٦