تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويشمل تطور الوعي الأوروبي نشأته ثم بداية تطوره ثم نهايته. فمن حيث النشأة يجد الوعي الأوروبي أصوله في ثلاثة: الأصل اليوناني الروماني، والأصل اليهودي المسيحي، والبيئة الأوروبية نفسها. ولا يذكر الأصل الشرقي القديم على الإطلاق قبل الأصلين الأولين، ولا يذكر الأصل الإسلامي قبل النهضة الحديثة؛ وذلك لأن الغرب قد اعتبر اليونان أصلا عبقريا على غير مثال؛ إذ لم يسبقهم أحد، وكأن الهند لم تؤسس المنطق الصوري في البوذية، ولم تسهم في نشأة علم الحساب. وكأن فيثاغورس وطاليس لم يكونا على اتصال بالنحلات الشرقية، وكأن أفلاطون لم يدرس الرياضيات في مصر، ولما كان الغرب وريث اليونان فقد ظل نسيجا عبقريا مثله، على غير منوال.

وبالرغم من التباين والخلاف في جوهر كل من اليهودية والمسيحية - كما لاحظ سلسوس من قبل - إلا أن الأصل اليهودي المسيحي قد جمع بينهما ابتداء من الكتاب المقدس، حيث ضم العهد الجديد كخاتمة للعهد القديم، وكنهاية للنبوة واكتمال لها بالرغم من رفض اليهود. ونظرا للتآلف الطائفي العنصري بين الحضارتين اليهودية والمسيحية ضد الحضارات الأخرى، إسلامية كانت أو «بدائية»، فقد أصبحتا مصدرا واحدا. وكأن الإسلام لم يكن تحققا لصدق اليهودية والمسيحية في التاريخ، سواء من حيث الصحة التاريخية للكتب المقدسة أو من حيث التصديق بالعقائد، أو من حيث أحكام السلوك العملي لأهل الكتاب. وكأن الحضارة الإسلامية بعد ترجمتها إلى اللاتينية لم تكن أحد روافد النهضة الأوروبية الحديثة والفلسفات العقلية، وكأن الرشدية اللاتينية لم تساهم في نشأة العلم الحديث في الغرب.

1

ولا يكاد أحد يذكر البيئة الأوروبية نفسها ، كأنما الحضارة الأوروبية حضارة بلا بيئة، نشأت بلا عوامل ودوافع، بلا ظروف وملابسات، سواء فيما يتعلق بطبيعة المعطى الديني الذي كان لديها، مثل عقيدة الاختيار التي كانت موجودة وراء العنصرية والاستعمار، أو الروحانية الغالية والقائلة إن ملكوت السموات ليس في هذا العالم، وإن للداخل الأولوية المطلقة على الخارج، مما سبب رد فعل جذريا تبدى في المادية الفظة، واعتبار ملكوت السموات في هذه الأرض مقررا أولوية الخارج على الداخل. ولا يكاد أحد يذكر أيضا طبيعة السلطة الدينية التي نشأت في الغرب واعتبار أن للوحي مصدرين؛ الكتاب والتراث، الوحي والكنيسة؛ مما تسبب في نشأة السلطة الدينية واحتكارها للتفسير وللعلم، وسيطرتها على السلطة السياسية. وقد أحدث هذا رد فعل مضادا لصالح العلم والعقل والسلطة المدنية، فنشأ الوعي الأوروبي معاديا للسلطة الدينية، داعيا للعلمانية، معاديا للدين باسم العلم والعقل والمدنية. هذه هي الظروف التي نسج الغرب حولها مؤامرة الصمت ليجعل الحضارة الأوروبية نموذجا للحضارة العالمية التي يتعين على كل حضارة أخرى الاقتداء بها. عصرها كل العصور، ومذاهبها كل المذاهب، وتاريخها كل التاريخ، إبداعاتها للتقليد، وتقنياتها للنقل، وكأن علم اجتماع المعرفة لا يطبق إلا على ثقافات الآخرين.

أما من حيث التطور فقد مر الوعي الأوروبي بخمس مراحل: عصر آباء الكنيسة، الفلسفة المدرسية، عصر الإحياء والنهضة، عصر العقلانية والتنوير، ثم عصر العلم والتقنية.

ففي مرحلة آباء الكنيسة تشكل الوعي الأوروبي باعتباره وعيا دينيا أفلاطونيا إشراقيا، تحولت فيه آلهة اليونان إلى آلهة الدين الجديد وملائكته، ونظريات الدين اليونانية إلى نظريات للدين الجديد، وتمت ظاهرة التشكل الكاذب المضاد أي إن المضمون اليوناني الروماني أخذ شكلا مسيحيا، حدث التشكل الكاذب في الجوهر لا في العرض، وفي المضمون لا في الصورة، وفي المعنى لا في اللفظ، وفي الشيء لا في التصور. وقد استغرق ذلك القرون السبعة الأولى التي تشكلت فيها العقائد المسيحية والتي أتى الإسلام بعدها ليتحقق من صدقها.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ١٥