ثم نشأت محاولات عديدة للجمع بين التيارين في الفلسفة النقدية عند كانط في ألمانيا، فتصور العقل على أنه حس أولا فذهن ثانيا فعقل ثالثا. التحليل الترنسندنتالي أولا ثم الجدل الترنسندنتالي ثانيا. وقد وضع مشروعا للتوحيد بين القبلي والبعدي صائغا عبارته المشهورة «التصورات بلا حدوس فارغة، والحدوس بلا تصورات عمياء». ولكن التوحيد بينهما قد تم بصورة آلية تركيبية خارجية سكونية مما دعا تلاميذه إلى التوحيد بينهما بصورة حركية جدلية. الحس ونقيضه الذهن، ثم يأتي العقل ليجمع بينهما (هيجل)، أو بطريقة صورية في فلسفة الهوية والتوحيد بين الروح والطبيعة (شلنج)، أو في فلسفة الذاتية والتوحيد بين الأنا واللاأنا من أجل تكوين الأنا المطلق (فشته)، أو في فلسفة الإرادة تعبيرا عن العقل والطبيعة (شوبنهور) ... كما حاولت فلسفة التنوير في فرنسا الجمع بينهما عن طريق النظرة العقلية الحسية للعالم كما هو واضح في دائرة المعارف الفلسفية.
وما إن أتى القرن التاسع عشر حتى بدأ الخصام من جديد بين التيارين المتباعدين، كل واحد يحاول أن يجعل نفسه نمطا لعلوم الإنسان. وظلت الظاهرة الإنسانية متأرجحة بين نمط العلوم الرياضية العقلية تارة، وبين نمط العلوم الطبيعية الحسية تارة أخرى. فنشأت أزمة العلوم الإنسانية، وضرورة صياغة مناهج مستقلة لها؛ حلا لأزمة الصورية والوضعية، وحلا للخلط بين المستويات كما ظهر في السيكوفيزيقا. وهنا ظهر الطريق الثالث، طريق فلسفات الحياة: برجسون، وهوسرل، وشيلر، ودلتاي وغيرهم. كما ظهر فلاسفة الوجود رافضين رفع الوجود الإنساني إلى ما هو أكبر منه وهو العقل، أو حتى رده إلى ما هو أقل منه وهو المادة. أصبح العقل الأوروبي منقسما إلى ثلاثة اتجاهات: فلسفة روح، وفلسفة طبيعة، وفلسفة وجود. وضاعت وحدته الداخلية. وتصارعت فيه المذاهب كلها، كل منها يدعي أنه الحقيقة الكاملة. وحكمها قانون الفعل ورد الفعل، وأخذت العقلية الأوروبية هذا الطابع التقسيمي التجريبي، وصدرته خارجها فقضت على وحدة العقل، خارج الوعي الأوروبي، لدى الشعوب غير الأوروبية.
2
فإذا ما أخذنا هذا الموقف من التراث الأوروبي، ووصفنا الوعي بناء وتطورا على هذا النحو حدث التالي: (1)
السيطرة على الوعي الأوروبي، واحتواؤه بداية ونهاية، نشأة وتكوينا، وبالتالي يقل إرهابه؛ لأنه ليس بالوعي الذي لا يقهر. ويتحول الدارس إلى مدروس، والذات إلى موضوع، وبالتالي لا نصبح ضائعين فيه؛ إذ يمكن للإنسان أن يراه مرة واحدة، وأن ينظر إليه من أعلى بدلا من أن يقبع أسفل منه ويكون السؤال: من الذي سيأخذ الريادة الآن؟ (2)
دراسة الوعي الأوروبي على أنه تاريخ وليس خارج التاريخ. صحيح أنه تاريخ تحرر على مراحل لا يمكن القفز عليها أو تجاوز مراحلها المتوسطة، لكنه مع ذلك تجربة بشرية ومسار حضاري مثل غيره من التجارب. إنه ليس التجربة الوحيدة أو المسار الحضاري الأوحد. بل هو أحد مراحل تاريخ الوعي الإنساني الطويل ابتداء من مصر والصين وحضارات الشرق القديم. (3)
رد الغرب إلى حدوده الطبيعية وإنهاء الغزو الثقافي، وإيقاف هذا المد الذي لا حدود له، وإرجاع الفلسفة الأوروبية إلى بيئتها المحلية التي منها نشأت حتى تظهر خصوصيتها التي أمكن تعميمها من خلال الاستعمار والسيطرة وأجهزة الإعلام، في لحظة ضعف الأنا، وتقليده للأجنبي، واقتصار تحرره على الأرض دون الثقافة. (4)
القضاء على أسطورة الثقافة العالمية واكتشاف خصوصيات الشعوب، وأن لكل شعب نمطه الحضاري الخاص ووعيه المتميز، بل وعلومه الطبيعية وتقنيته الخاصة كما هو الحال في الهند والصين وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وتطبيق مناهج علم اجتماع المعرفة والأنثروبولوجيا الحضارية على الوعي الأوروبي ذاته. (5)