10
ومهمة الباحث أيضا هي إعادة الاختيار بين البدائل. فقد تم اختيار البدائل القديمة لحسم الصراع لصالح السلطة. يستطيع الباحث اليوم أن يعيد الاختيار بينها لصالح الجماهير، فكلها على مستوى واحد من الاجتهاد والنظر، دون تكفير لأحدها وتصويب للآخر. وربما يمكنه أن يجد بدائل جديدة تماما لم يطرحها القدماء بدافع المسئولية التاريخية، وبروح الدقة العلمية، مع مزيد من الثقة بالنفس والوعي بالواقع والجرأة في التشريع.
11
بهذا الموقف من التراث القديم يمكن تحقيق عدة منافع؛ منها: (1)
وضع الأستاذ والطالب وسط أحداث العصر، فيتحول الفكر بالتالي إلى واقع، والتراث إلى حياة، والفلسفة إلى رسالة، والعلم إلى قضية، وتمحي الثنائية في الشخصية بين الباحث والمواطن، فلا يجد الطالب نفسه مضطرا إلى الاختيار بين أن يسمع أستاذا مكتسبا بالعلم يبيع الكتاب المقرر ويفرضه، فيقبل الطالب هذا الأمر من أجل لقمة العيش المتمثلة في حصوله على الشهادة، وبين قلبه وحسه وعقله المحاصر والمهموم بقضايا الوطن؛ سواء في الجماعة الدينية أو في الحزب السري، أو في الغضب والتمرد، فينتهي بهجرة إلى الخارج أو هجرة إلى الداخل، أو إجهاض نهائي يؤدي إلى الانهيار النفسي والانتحار الفعلي، كما هو الحال عند بعض المفكرين والأدباء. (2)
نزع سلاح التراث من أيدي الخصوم في الداخل وفي الخارج، ومن ثم القضاء على أهم معوقات التقدم، وذلك ببيان نشأة تراث السلطة، وإجهاض تراث المعارضة؛ أعني مؤامرة التشويه لتراث المعارضة والصمت عنه، فتدخل معارك التراث بالتالي المعارك من قميص الأشعري: الواحد الذي يسمع ويرى ويبصر ويفعل كل شيء، ومن جبة الغزالي: الواحد الذي منه يفيض كل شيء، ومن جلباب ابن سينا: الواحد الذي إليه يرجع كل شيء، ومتاهات أجهزة الإعلام ودورها في تزييف الوعي القومي كما هو الحال في متاهات الفقه الافتراضي، وتأويل النصوص. فما معارك التأويل في حقيقة الأمر إلا صراع اجتماعي مقنع بثقافة الجماهير، وبثقل التراث في وجدان العصر. (3)
إبراز تراث الشعب، تراث المصلحة، وهو أكبر دافع على التقدم؛ حتى لا تحدث انتكاسات للثورة أو يقع نكوص في التقدم: خطوة إلى الأمام وخطوتان إلى الخلف، وبالتالي يمكن تقوية روح الشعب، ونضال الجماهير، بإعطائهما تراثا ثوريا يكون هو البديل المؤقت عن أيديولوجيتها الثورية، يعطيها نظرية تنقصها؛ وذلك من خلال تثوير ثقافتها الوطنية. (4)
وقف التغريب الذي حدث للخاصة التي انفصلت عن التراث؛ لأنها لم تجد نفسها من خلاله، ولم تستطع تجاوز لغته القديمة أو اعتبار نفسها مسئولة عنه فلم تغير مستوياته، أو تعدل محاوره وبؤره، أو تعيد الاختيار بين البدائل. بل قبلت كضرورة لا مفر منها مزاحمة الفكر الغربي لتراث الأمة ومكونها الرئيسي حتى نشب العداء بين أنصار القديم وأنصار الجديد. يمكن إذن عن طريق هذا الموقف من التراث القديم القضاء على الازدواجية في الشخصية القومية، وهذا «الفصام النكد» في ثقافتها الوطنية. (5)
محو التفرقة بين الخاصة وبين العامة، بين ثقافة الخاصة وبين ثقافة الجماهير، وبالتالي تنتهي عزلة المثقفين وركود الثقافة الشعبية. فتتوحد اللغة، ويعاد بناء الثقافة الوطنية، أي ثقافة الأمة - خاصة وعامة - بروح العصر ولغته، فيستحيل بالتالي على أية سلطة الاستحواذ على الخاصة ووضعهم في تناقض مع العامة، وتجنيد المثقفين ضد مصالح الشعوب، ومحاصرة العامة بالخاصة، وتزييف وعي الجماهير من خلال وضع أجهزة الإعلام في أيدي مثقفي السلطان. (6)
تجنيد الجماهير، فتنزل بثقلها إلى الساحة، وتأخذ مصائرها بأيديها. فما الفائدة من تدريس فلاسفة التنوير ودورهم في إشعال الثورة الفرنسية وتحرير الأذهان بأفكار الحرية والعدالة والمساواة، حتى استولت جماهير باريس على سجن الباستيل؟ وما الفائدة من تدريس أفكار الأفغاني دون ذكر لثورة عرابي، أو أفكار الطهطاوي ولطفي السيد، دون إشارة إلى ثورة 1919م؟ ماذا أعددنا نحن للأجيال القادمة؟ كان الضباط الأحرار بلا مفكرين أحرار، ثم صاروا ضد المفكرين الأحرار من الجيل السابق ومن هذا الجيل، حتى اختفى المفكرون الأحرار من جيلنا، وأصبحنا كلنا موظفين لدى الثورة، نقف خلفها بدل أن نكون في مقدمتها، مبررين لقراراتها بدل أن نكون ناقدين لها.