وبالإضافة إلى هذا الوصف التفصيلي للعلوم ودورنا في إعادة بنائها وتطويرها من واقع المسئولية، فإن القدماء «هم رجال ونحن رجال، نتعلم منهم ولا نقتدي بهم».
9
رسالتنا هي التبليغ والتعبير وإيصال الحقيقة للناس، وتقديم التراث لهم يقرءون فيه حياتهم، ويجدون فيه هويتهم؛ لذلك يجد الباحث نفسه اليوم في مواجهة قضية اللغة والمصطلحات، ومستويات التحليل، والمحاور والبؤر الحضارية وإعادة الاختيار بين البدائل القديمة.
إن التحدي الذي يواجه الباحث اليوم هو القدرة على تجاوز اللغة القديمة ومحاولة إعادة بنائها، والتخلي عن أشكالها القديمة ووضع معانيها في ألفاظ جديدة أكثر إغراء للناس، وأكثر قبولا لدى الشباب والطلاب؛ فغالبا ما تستهوي المفكرين اليوم ألفاظ الحرية والعدالة، والمساواة والتقدم، والشعب والمجتمع والتاريخ، ولا تستهويهم الألفاظ القانونية القديمة التي توحي بالغرض؛ مثل الواجب، والحلال، والحرام، أو ألفاظ العبادات؛ مثل الصلاة، والصيام. وما أسهل التعبير عن المضمون القديم بلفظ جديد! فالصلاة تكشف عن الفعل في الزمان، عن الفتور والتراخي، وعن الحال والقضاء، والزكاة مشاركة في الأموال، والصيام إحساس بالآخر. الواجب هو الفعل الملتزم، والحرام هو الفعل الذي ينتج عنه ضرر وسلب، وعدم وفناء، والمندوب هو الفعل التطوعي، والمكروه هو الإرادي، والمباح هو الطبيعي. ليس الأمر مجرد تغيير لفظ بلفظ، بل تجديد الفكر وتطوير الحضارة، وهو ما مارسه القدماء من قبل خاصة الحكماء حين تمثلوا الغرباء، وأحالوا الثقافات القديمة روافد أصلية لحضارتهم. إن اللغة الجديدة وحدها هي القادرة على مخاطبة الناس وعقد حوار بينهم؛ فهي لغة التفاهم والخطاب المشترك.
إن مهمة الباحث حاليا هي إعادة النظر أيضا في مستويات التحليل. هل يريد الإبقاء على المستويات القانونية والإلهية والطبيعية، أو يريد تغيير هذه المستويات التي لم تعد قائمة في شعور الجماعة ليقوم بالتحليل على مستويات أخرى؛ مثل المستوى النفسي والاجتماعي. هذا إذا أردنا اكتشاف التراث كمخزون نفسي لدى الجماهير على المستويين؛ المستوى الحضاري والتاريخي، وإذا أردنا أن نعرف مع أي نمط حضاري نحن نتعامل، وفي أية مرحلة من التاريخ نحن نعيش؛ فبهذا يتم وضع التراث القديم في منظور تاريخي داخل الوعي الحضاري كمرحلة إبداع أولي (القرون السبعة الأولى)، تلتها مرحلة تدوين ثانية (القرون السبعة التالية)، وبالتالي فإننا على مشارف دورة ثالثة تتمثل في إعادة بناء القديم بضرب من التأويل والقراءة؛ من أجل إبداع جديد.
إن مهمة الباحث أيضا هي إعادة النظر في المحاور والبؤر الحضارية القديمة. كان الله محورا أساسيا عند القدماء، وكان الوحي بؤرة الحضارة، منه تخرج العلوم في دوائر متداخلة حوله. وكان ذلك طبيعيا وسط الحضارات والديانات القديمة التي كادت تفقد «التعالي» و«الوحي». ولكن هذا المحور وهذه البؤرة قد تم اكتسابهما الآن، بل أصبح حضورهما على حساب محاور وبؤر أخرى. ضاع الإنسان أمام حضور الله، وضاع التاريخ أمام حضور الوحي. قد تكون مهمة الباحث اليوم هي إعادة ترتيب المحاور والبؤر، واكتشاف الإنسان والتاريخ؛ إذ يضرب بنا المثل للمجتمعات اللاإنسانية التي لا تعرف الزمان. وترسل إلينا لجان الأمم المتحدة لدراسة أوضاعنا بالنسبة إلى حقوق الإنسان. كما أننا خارج التاريخ، ولا نعلم في أية مرحلة من التاريخ نحن نعيش، وليس لدينا تراكم تاريخي. يبدأ كل جيل وينتهي، ثم يبدأ الجيل الثاني كما بدأ الأول من الصفر. ولا يكاد يمر جيلان أو ثلاثة حتى يبدأ القرص في السقوط؛ نهبط بمجرد أن نعلو، لقد عمرت نهضتنا الأخيرة أربعة أجيال فحسب قبل أن نشاهد تعثر النهضة وكبوة الإصلاح.