تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12

وعلى هذا النحو يمكن حل قضايا التغيير الاجتماعي؛ ففي الشعوب التراثية لا يمكن أن يتغير شيء في الواقع ما لم يتغير في الوعي أولا. وإن أبنيتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية كلها لتقوم بالأساس على أبنيتنا النفسية وقوالبنا الذهنية وتصوراتنا للعالم. وقد تكون نظمنا التسلطية القائمة على الحاكم الواحد والرأي الواحد ترسبا تراثيا عند القادة، ونفسيا عند الجماهير؛ من «آراء أهل المدينة الفاضلة»، وصفات الإمام. وقد تكون الدعامة النفسية للنظم البيروقراطية هي ما ترسب في وعينا القومي من نظرية الفيض أو الصدور، وأنه كلما صعدنا إلى أعلى وصلنا إلى أعلى مراتب الشرف، وكلما نزلنا إلى أسفل صرنا إلى أدنى مراتب الشرف. وقد يكون ما يحدث بيننا في سلوكنا القومي من أفضلية للجامعات على المعاهد التطبيقية العليا والمدارس الفنية المتخصصة قائما على بناء ذهني ونفسي موروث من أولوية القيم النظرية على القيم العملية في التراث.

لا شيء أسهل من تغيير الأبنية التحتية بانقلابات عسكرية وإجراءات ثورية وقرارات إدارية، ولكن لا شيء أصعب من الحفاظ على هذه الإنجازات والإبقاء على الثورة الدائمة. إن التغيير الاجتماعي بلا تغيير مواز في الثقافة، والعمل السياسي دون منظور تاريخي مجرد ضرب في الهواء. لقد سادت الأشعرية الكلام، والإشراقية التصوف والحكمة، والصورية الفقه أكثر من ألف عام، من القرن الخامس حتى اليوم، وعاش الاعتزال الكلامي والرشدية الفلسفية ونضال الصوفية والواقعية الفقهية أربعمائة عام؛ من القرن الثاني حتى القرن الخامس، قبل القضاء على العلوم العقلية لحساب التصوف في محنة القرن الخامس. وأصبح وعينا القومي منذ ذلك الوقت غير متعادل الكفتين، ألف عام من المحافظة الدينية، وأربعمائة عام من العقلانية. وما لم تتعادل الكفتان، بضغط الألف عام إلى سبعمائة أو أقل، وإطالة الأربعمائة عام أو أكثر فسيكون من الصعب أن تقوم ثورة أو أن يعقد حوار. في هذه اللحظة فقط تبدو إمكانية الثورة، أعني حين تضغط المحافظة إلى أدنى ترسب ممكن، وتمتد العقلانية والطبيعية إلى أقصى حد ممكن. هنا فقط سيتحرك التاريخ من جديد، وتبدأ مرحلة ثالثة بعد الأولى التي اكتملت فيها من القرن الأول حتى السابع، وبعد الثانية التي حافظت فيها على نفسها من السابع حتى الرابع عشر. فيكون جيلنا معاصرا لمرحلة ثالثة وممهدا لها؛ إذ يجمع فيها بين تأويل القديم وبين إبداع الجديد.

| خامسا: الموقف من التراث الغربي

لا تعني الدعوة إلى تحجيم الغرب ورده إلى حدوده الطبيعية،والقضاء على أسطورة عالميته وبيان محليته مثل أي تراث آخر، وأن عصر الهيمنة الأوروبية هو الذي أفرز هذه الهيمنة الثقافية؛ لا يعني كل ذلك أي دعوة إلى الانغلاق أو العودة إلى جنون الذات أو رفض التعرف على الغير والانفتاح على الآخر؛ فتلك لم تكن سنة القدماء الذين تفتحوا على الثقافة المجاورة، وفي مقدمتها اليونانية، وتمثلوها وعرفوها واحتووها داخل الإطار الحضاري الخاص، بل يعني أن فترة التعلم قد طالت، وأن فترة التتلمذ قد امتدت، فنحن نتعلم منذ قرنين وما زالت مرحلة الإبداع بعيدة في الأفق. إن التعلم من الغير وسيلة لا غاية، ومرحلة وليس تاريخا، ومجرد باعث ومحرك وليس بديلا عن الشيء ذاته. لقد تعلم القدماء قرنا واحدا هو القرن الثاني، وما إن أتى القرن الثالث حتى ظهر الكندي أول الحكماء بادئا علوم الحكمة. لقد كانت الدعوة إلى الانفتاح على الغرب لها ما يبررها في أوائل القرن الماضي نظرا إلى التحدي الحضاري الذي كان يمثله الغرب علما وصناعة وحرية وديموقراطية، ودستورا ونظما برلمانية، ونهضة وتقدما وعمرانا. ولكن نظرا إلى طول المدة انقلب الانفتاح إلى الضد وهو التقليد، والتعلم إلى تبعية. فنشأت ظاهرة «التغريب» في حياتنا الثقافية وفي وعينا القومي، والتي تبدو في الآتي: (1)

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ١٣