تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

وينكر المؤلف على الأمة العربية حاليا أي إبداع كما أنكر من قبل تاريخها. فالشقة الآن بعيدة بين أدنى مؤرخ أو فيلسوف قديم، وبين أكبر مؤرخ أو فيلسوف حديث في الوضع الذي عليه العالم العربي الآن، وكأن أجيالنا الحالية ليست وراء فجر النهضة الحديثة ولم تقم بحركات التحرر ولم تنشئ الدول الحديثة، وكأنها لا تشارك في هموم مشتركة ومصالح مشتركة، وكأنها لا تواجه أعداء مشتركين. وإذا لم يحقق الشعب العربي حتى الآن وحدة النضال إلا أنه يمارس نضال الوحدة.

2

بل إن المؤلف ينكر على العرب أخذهم اليابان نموذجا للتحديث، وهو ما كان يدعو له الأفغاني من قبل، ورواد النهضة العربية منذ القرن الماضي؛ نظرا لأن العرب لا يملكون ما تملكه اليابان، وهو مشروع التصنيع الذي سبق العرب بقرن، وعدم تعرضه للغزو الاستعماري كما تعرض العرب، وعدم تمسكه بإرادة سياسية أدت إلى هزيمته واقتصاره على نمو اقتصادي، على خلاف العرب الذين يحرصون على إرادة سياسية تجعل لهم مكانا في التاريخ!

3

إلى هذا الحد وصل حد الإقلال من العرب، تاريخا وحاضرا، مع أن مصر بدأت نهضتها الأولى مع اليابان، وكان الإمبراطور ميجي يعتبر محمد علي رائدا له في بناء الدولة الحديثة. وإن العملاق الاقتصادي والقزم السياسي ليس مثالا يحتذى به. كما أن الإرادة السياسية المستقلة والتأثير في مجرى التاريخ ليس وهما. وينتهي المؤلف إلى إنكار الأمة العربية إنكارا تاما واقعا وتاريخا ومصيرا، وكأن نقد أيديولوجيات القومية العربية حتى مع صوابه هو دليل على عدم وجود أمة عربية وليس فقط دليلا على ضعف الصياغات الأيديولوجية الحالية.

4

وبالرغم من أن فلسطين جزء رئيسي من تاريخ العرب وركيزة وجدانهم المعاصر؛ إلا أنها لا تحظى من المؤلف إلا بفقرات محدودة وكأنها هامشية المكان لا تعادل في أهميتها التاريخ الأوروبي بالنسبة للشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي. ويدعو المؤلف قراءه العرب إلى التأمل في الوجاهة الأخلاقية والتاريخية للمشروع الصهيوني! فالشعب اليهودي يعود إلى أرض كانت له من قبل؛ وبالتالي فهو يدافع عن كيان مهدد في كيانه، يجمع بين الماضي والحاضر، بين التاريخ والروح. لذلك تعاطف معه الغرب لاشتراكه معه في هذا التاريخ وهذه الروحانية وخذل العرب في فهمهم للقضية؛ نظرا لتركيزهم على الصلة بين الصهيونية والاستعمار! ويمكن نقض المشروع الصهيوني بطبيعة الحال بما يقابله من مشروع عربي إسلامي، حجة بحجة، شرعيتان تتنازعان أرضا واحدة،

5

وبالرغم من أن المؤلف يرفض الحلول الاستسلامية إلا أنه أيضا يرفض الحلول الثورية التي ترى في تثوير العالم العربي تحريرا لفلسطين، ويحكم عليه بأنه حل تهربي طوباوي. ويقترح ترك القضية التي يسميها المؤلف «الإسرائيلية» وليس الفلسطينية لآفاق المستقبل، بعد أن عجز الحاضر عن إيجاد حل لها!

6

| سابعا: التاريخ الأوروبي والثقافة الغربية

إذا كان التقابل الذي يصنعه المؤلف بين مصر وتونس، المشرق العربي والمغرب العربي، والعروبة وفلسطين يمثل مواقف فكرية وسياسية فإن اعتبار التاريخ الأوروبي والثقافة الغربية كإطار نظري لفهم الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي تتم الإحالة إليه باستمرار هو نوع من التغريب النظري والمنهجي صاحب المؤلف من أول الكتاب إلى آخره. بل إن استعمال التاريخ الغربي والثقافة الغربية كإطار مرجعي تتم الإحالة إليه باستمرار إنما يكشف عن موقف حضاري أبعد وأعمق، وهو فهم الأنا أو الذات بالإحالة المستمرة إلى الآخر أو الغير، وكأن الأنا أو الذات ليس لها إطارها النظري الخاص ولا يمكن فهمها بتكويناتها الداخلية أو باستعمال الإطار النظري الخاص بها من داخل حضارتها التي تكونت فيها الحضارة الإسلامية، وكأن الأنا لا تعكس نفسها إلا في مرآة الآخر، لا تعي ذاتها بذاتها كأنا إلا من خلال الآخر كمقياس ومعيار للحكم. إن من شروط التعريف هو عدم تعريف الشيء المجهول بشيء آخر مجهول بل تعريفه بشيء معلوم، وإن القارئ العربي الإسلامي الذي يريد معرفة ذاته وشخصيته العربية الإسلامية ومصيره العربي لا يستطيع أن يعلمها بالذهاب إلى البوربون والهبسبورغ والبلغار والسلاف والبروتستانت والكاثوليك وأوغسطين ومردال وسنسناتوس

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ١٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ١٠٥