تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Bachelard ، وتصل الأحكام أحيانا إلى درجة من القطيعة بحيث تبدو مشابهة لأحكام المؤرخين الأوروبيين الذين وقعوا في أتون العنصرية والشعوبية في القرن الماضي. والأمثلة كثيرة: فالمغرب يستحوذ عليه التبحر في كافة القدرات، في حين أن في المشرق تطمس السيولة اللفظية كل جهد علمي! المغرب يسوده التبحر العلمي حتى ولو كان جافا، والمشرق فكر مجدب متمذهب وغير متمكن من المعرفة! المشرق غارق في الطائفية التي لا يعرفها المغرب.

1

التجديد كله من المغرب حتى ولو كان متمزقا لأن المشرق غير قادر عليه. لقد توقف تقدم المشرق إلى حد التقهقر؛ نظرا لتسلط الدولة ولعدم تطعيم الفكر في المشرق بالثقافة الغربية. أما المغرب فقد استطاع وحده حل مشكلة الأصالة والمعاصرة حين غرق المشرق في القديم وانقطع عن الحداثة. وكيف ينهض الشباب العربي وهو يرى نفسه في المرآة المشوهة للمشرق العربي؟ إلى هذا الحد تبلغ تعسفية الأحكام والتي تصل إلى حد التجريح.

2

وبالرغم من اعتراف المؤلف بأن الثقافة المشتركة بين المشرق العربي والمغرب العربي هي واقع ومعطى نهائي لا يرد إلا أن هذه الثقافة المشتركة لا تعني أي توحيد للمصير السياسي أو الكيان الحضاري. فإذا ما تبنى المشرق العربي فكرة القومية العربية توحيدا لأقطاره؛ فإنها لا تعني بالنسبة للمغرب العربي إلا إطارا ثقافيا عاما لا يمس وجدانها السياسي والقومي. فإذا كانت العروبة بالنسبة للمشرق العربي ثقافة وسياسة، فإنها بالنسبة إلى المغرب العربي مجرد ثقافة!

3

ويستشهد المؤلف في تأكيده على هذا التمايز الذي يتحول إلى تقابل ثم تضاد وتناقض بين جناحي العالم العربي في المشرق والغرب بوصف هيجل لصلة المغرب العربي بالغرب في مقابل صلة المشرق العربي بالشرق إبان المد الاستعماري الأوروبي في القرن الماضي وتحويل أوروبا كلها مركزا تدور حولها الأطراف في آسيا وأفريقيا والأمريكتين. وعلى هذا النحو يكون مصير المغرب العربي هو الغرب في حين أن اتجاه المشرق العربي نحو الشرق، وهي نفس أطروحة المستعمر الفرنسي في احتلاله لشمال أفريقيا ابتداء من الجزائر منذ قرن ونصف. بل إن الدولة العثمانية ذاتها هي أوروبا الشرقية محررة من سيطرة الشرق!

4

فالمغرب هو المغرب الغربي وليس المغرب العربي بفارق نقطة واحدة تحول العين إلى غين. وعلى هذا النحو يكون المشرق العربي في مقابل المغرب العربي وليس في مواجهة الغرب المسيحي، ويتحول التناقض الثانوي - على فرض التسليم به جدلا - بين جناحي العالم العربي في المشرق والمغرب إلى تناقض رئيسي. ويتحول التناقض الرئيسي بين المغرب العربي والغرب الاستعماري إلى تناقض ثانوي، بل إلى وئام جغرافي وثقافي وحضاري!

5

| سادسا: العروبة وفلسطين

ويظل استدلال المؤلف مستمرا من التقابل بين مصر وتونس إلى التضاد بين المشرق العربي والمغرب العربي إلى أن يصل مداه في إنكار القومية العربية وجعل العروبة من اختراع المشرق العربي دون المغرب العربي، ثم التسليم بالمشروع الصهيوني. فالفكرة العروبية إنما نشأت في المشرق لتشييد أمة مجددة في المشرق، وليس في المغرب. والثقافة العربية المعاصرة تتصف بضحالة مؤلمة كما وكيفا فاقدة للنفس والتقنية! إنتاجها الأدبي تسوده السذاجة وتغيب عنه الطلاوة ويعكس عالما ساذجا. بل إن الطبقة الاجتماعية ليست عاملا موحدا بين العرب. فالبرجوازي في بغداد غيره في القاهرة، والبرجوازي في تونس غيره في الجزائر، وكأن التجزئة تستعصي على شتى الاختيارات الأيديولوجية الفكرية المثالية أو الماركسية الاجتماعية، وكأن الاختيار الوحيد هو الانتقائية المنهجية التي تبرز عناصر التجزئة وتخفي عناصر الوحدة والتي لا تنفي شرعية انتقائية مضادة تبرز عناصر الوحدة وتخفي عناصر التجزئة. ويكون التحدي إذن هو اكتشاف جدلية الشرعيتين، التجزئة والوحدة. التجزئة وحدها هي الرصيد الوجداني، هي هذا الجدار الباطني الذي يقف حاجزا بين البدوي في تونس ونظيره في الأردن أو العراق، فالأول جرفه الحضر تحت وطأة هجرة العمالة، والثاني حافظ على بدويته الأولى وكأن هناك عنصرا عربيا نقيا أصيل السمات وهي نظرة عرقية تنافي العروبة التي ترتكز على اللغة والثقافة والحضارة والتاريخ المشترك والتراث القديم.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ١٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ١٠٤