تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Cincinatus ، بل الإحالة إلى الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين والخلافة العثمانية. وإن القارئ العربي لا يفهم ذاته وشخصيته بالإحالة إلى سارتر وميرلو بونتي وفرويد واشبنجلر، بل بالإحالة إلى الأشعري والغزالي والباقلاني وابن سينا والرازي وابن عربي. ألا يستطيع القارئ الذي لا يعرف كل هذا التاريخ الأوروبي والثقافة الغربية أن يفهم ذاته وشخصيته؟ وإذا كان المثقفون العرب لا يعلمون هذا الإطار المرجعي الغربي بالدرجة الكافية فالأولى ألا تعرف جماهير القراء ذلك. بل إن القارئ العربي الذي يعرف التاريخ الأوروبي والثقافة الغربية لقادر أيضا أن يعرف ذاته بالإحالة إلى مكوناته الشخصية ومخزوناتها النفسية ورواسبها القديمة. لا يقع المؤلف فقط في نوع من التغريب يعترف به بادئ ذي بدء.

1

بل إن التغريب لديه يتحول إلى نوع من الاغتراب، اغتراب الأنا في الآخر، مع أن من مكونات الشخصية العربية الإسلامية كما فهمها القدماء فهم الآخر من خلال الأنا، وإعادة بناء حضارات الآخر يونانية ورومانية وفارسية وعبرانية ابتداء من حضارة الأنا. بل لقد استمر ذلك عند رواد النهضة العربية الحديثة وفي مقدمتهم الطهطاوي سواء في «مناهج الألباب» أو في «تخليص الإبريز»، وهم الرواد الذين أسقطهم المؤلف من الحساب كما أسقط التراث القديم، بعد أن اختار التاريخ الأوروبي والثقافة الغربية كأساس نظري لفهم الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي وكإطار مرجعي تتم الإحالة إليه باستمرار.

والأمثلة على ذلك كثيرة. والنصوص تشهد على أن القارئ العربي لا يفهم شخصيته العربية الإسلامية بالإحالة إلى مكونات الشخصية القومية في الغرب. ألا يمكن فهم الشخصية العربية الإسلامية دون الإحالة إلى الجرمان والإسبان والسلاف والمجر والبلغار؟ هل لا بد لفهم الشخصية العربية الإسلامية من المرور عبر الإمبراطورية الرومانية والغاليين في بلاد غاليا والبروطون في مقاطعة بريطانيا والسلتيبار في أسبانيا، والظاهرة الجرمانية والعصر النيوليتي ومملكة شرلمان والحرب بين ورثة لويس الزاهد؟ هل لا بد من تحليل العناصر المكونة لظهور الشخصية القومية الأوروبية لفهم الشخصية الإسلامية العربية دون التحقق من صدق المفهوم أولا ثم البحث عن مكوناته الداخلية في التراث القديم بدلا من الإحالة إلى تاريخ الغرب وثقافته، النزعة الكسمبوليتية للأسر الأميرية في أوروبا والملك أصيل بلاد هانوفر وأسرة هابسبورغ وأسرة بوربون وعرش اسبانيا وعرش إنكلترا؟

2

وتتجاوز الإحالة من مجرد منطق للتقريب والفهم إلى منطق للحكم. فتكوين الشخصية القومية في الغرب يصبح هو المعيار الذي يقاس عليه تكوين الشخصية العربية الإسلامية، وكأن هناك نمطا واحدا فريدا هو النمط الأوروبي عليه تقاس كل النماذج لدى الشعوب الأخرى. فهو النموذج العالمي الذي انتشر في أوروبا الغربية والشرقية والوسطى منذ القرن الماضي، عصر القوميات حتى هذا القرن مرتبطا بزوال الاستعمار وكأنه لم يستمر في الصهيونية باعتبارها من بقايا عصر القوميات في القرن الماضي.

3

وتأخذ فرنسا مكانا مرموقا في التاريخ الأوروبي كما أخذت تونس المكانة نفسها في العالم العربي. فالثورة الفرنسية نموذج الشخصية القومية بعلمها المثلث الألوان وعيدها ونشيدها الوطني لفترة طويلة بشهادة بيجي وميرلو بونتي! وهي كذلك بما أعطت لها من تضامن قومي وولاء وطني للأمة وليس لشخص الملك وبطابعها الديمقراطي وسيادة الأمة. بل إن الأمر تجاوز حد الهوامش الشارحة للتاريخ الفرنسي، شرح فرنسا بفرنسا والمستشارين البروتستانت لآخر ملوك الغالوا وتعاليم ريشيليو وعدله وتسامح لويس الرابع عشر، كل ذلك لفهم الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي!

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ١٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ١٠٦