2
ولكن الأخطر من ذلك هو وضع تونس في مقابل مصر، وأن إبراز الأولى ومساهماتها في التجارب الوطنية والإبداعات الفكرية إنما يكون على حساب الثانية؛ إغماطا لحقها وتنكرا لتاريخها العربي والإسلامي. فالكم الهائل من الأحكام الجائرة على مصر إبرازا لخصوصيتها وتمايزها عن العالم العربي ومحليتها وعجزها تثير في الأذهان «البورقيبية» في الحقبة الناصرية.
3
فبينما نجد إشادة واحدة بإمكانية تفاهم المصري مع المغربي؛ وبالتالي إمكانية وجود بعد عربي للمصري، إلا أن ذلك في مقابل عدم استطاعة تفاهم الفرنسي مع الإسباني، أي بالمقارنة بالغرب وليس له أية دلالة عربية.
4
إلا أن معظم الإشارات إلى مصر إنما تأتي للتأكيد على محليتها وعدم استطاعة تواصلها مع محيطها العربي والإسلامي، بل وتجزئها إلى لهجات محلية داخلية في القاهرة والإسكندرية والصعيد. وبالأولى تتمايز اللهجة المصرية عن اللهجة التونسية وعن باقي اللهجات في الأقطار العربية، وتنتقل المحلية من مستوى اللغة إلى مستوى الإنتاج الأدبي المنغمس في الواقع المصري والذي لا يستطيع القارئ العربي الوصول إليه! ثم تتجاوز المحلية الأدبية ذاتها إلى محلية الوعي القومي والإرادة الوطنية و«المعرفة» في تاريخ مصر الوطني في عصرها الليبرالي.
5
ويتجاوز الأمر إلى بناء الشخصية المصرية: قهر السلطة وعجز الناس، تسلط الحكام وضعف الأهالي منذ غزو عمرو بن العاص لمصر. وإن ضعف الناس في مصر في بناء الذات القومية لمشابه لضعف البربر ولضعف أهالي الشام والعراق!
6
وينتهي الأمر كله إلى إنكار زعامة مصر؛ نظرا لعجزها ورغبتها في الهيمنة والسيطرة وحب الذات والنرجسية، مع أن هناك مركزين للزعامة: مصر والأندلس، المشرق والمغرب. وقد نقل الفاطميون زعامتهم إلى مصر وضم الأيوبيون الشام، وسرعان ما طرد العثمانيون مصر منها! كما أعطى الإسلام مصر منذ فتحها زعامة تاريخية. فزعامة مصر عرض تاريخي ثقافي، وليست مكونا جوهريا في الشخصية المصرية، بل إن الحركات التحررية الوطنية المعاصرة لم يكن لها مركز واحد في مصر، بل مراكز متعددة في تونس والجزائر، وكلها كيانات محددة، ولا تمثل تيارا عربيا واحدا يخترقها جميعا تتوالد منه الثورات.
7
وهذه هي «البورقيبية» بعينها إبان الحقبة الناصرية والمد الثوري العربي القومي، بما تمثله من عداء لمصر ولزعامتها ولقيادتها حركة التحرر العربي، ورفضها الاعتراف بإسرائيل، ودعوة تونس لذلك وانشقاقها عن الصف العربي، معتبرة نفسها أوروبية أكثر منها عربية، وفرنسية أكثر منها إسلامية. وهو ما يعترف به المؤلف نفسه من وصف لبورقيبة في ذلك الوقت والذي تأثر بما لاقاه من استخفاف أثناء إقامته بمصر، وحذر من محاولاتها للهيمنة، وتبنيه لفكرة الأمة المحدودة على النموذج الأوروبي، وتأثره ببعض الأفكار الاستشراقية بالنسبة لفوضى البربر والبدو، وضرورة الانطلاق إلى البناء الوطني والقومي المحدود للدولة الحديثة! لقد بقي بورقيبة مبهورا بأوروبا ولا سيما بفرنسا مشمئزا في قرارة نفسه من الفكرة العربية ومن المشرق الذي يعتبره مغايرا لعالمه، فالعروبة بالنسبة له صيغة رجعية مغرقة في التقاليد واللاعقلانية وأن القومية العربية ما هي إلا ديماغوجيا وفورة!
8
| خامسا: المشرق العربي والمغرب العربي
ويتبنى المؤلف هذا المفهوم الخاطئ الذي سار في أقطار المغرب العربي خاصة في المغرب وتونس ثم في ليبيا والجزائر عن خصوصية المغرب العربي في مقابل المشرق العربي، فالمغرب عقلاني والمشرق صوفي، المغرب إخباري والمشرق إنشائي، المغرب علمي والمشرق ديني، المغرب أوروبي والمشرق آسيوي. ويبلغ الغلو بالخصوصية إلى أنها تتحول من حد التمايز إلى درجة القطيعة بين جناحي العالم العربي استنادا إلى «القطيعة الإبستمولوجية» الواردة من ثقافتي الحي اللاتيني واعتزازا وترويجا لباشلار