ثم طبق أورتيجا نقطة البداية لديه وهي «العقل الحيوي» على الفرد والجماعة، الأنا والآخر، الإنسان والناس، الليبرالية والاشتراكية ... إلخ، كما انتقل هوسرل من الذاتية إلى العلاقات بين الذوات والتجارب المشتركة، وكما انتقل سارتر من تحليل الشعور الفردي في «الوجود والعدم» إلى تحليل الشعور الجماعي في «نقد العقل الجدلي». بل إن «حياة الحوار» في لغة الأنا والأنت أصبحت من أهم الموضوعات في الفلسفة المعاصرة عند جابريل مارسل، ومارتن بوبر، وندونسل ... إلخ. واختلفت الآراء حول الآخر بين «الآخر هو الجحيم» وبين «الآخر هو النعيم». ويبدو أن أورتيجا من أنصار الرأي الأول وكما يتضح ذلك من «ثورة الجماهير» وتأكيده على الفرد في مقابل الجماعة، وعلى الذات ضد الإنسان الجماهيري، وعلى الليبرالية في مواجهة النظم الجماعية. ولا وسيلة للانتقال من الفرد إلى الجماعة، من الأنا إلى الآخر، ومن العزلة إلى المشاركة إلا عن طريق اللغة بالرغم من قصورها وحدودها وعدم استطاعتها التعبير عن المعاني وإيصالها إلا على وجه التقريب. يخرج الفرد من عزلته ويتصل بالآخرين عن طريق اللغة التي هي في حقيقتها جدل وحوار ولكنه حوار خفي يجد الفرد فيه نفسه وليس حديثا لكل الناس. ليست وظيفة اللغة إعطاء تعريفات منطقية فهذا يستحيل في حياة الجدل والحوار. فكل تعريف إن لم يكن خاطئا فإنه يدعو إلى السخرية إذ يتضمن بعض التحفظات في الإعلان عن الأشياء الضمنية والتي لا يمكن الإفصاح عنها. تحديد مفردات الألفاظ في اللغة إذن مدعاة للسخرية لأن وظيفة اللغة التعبير والإفصاح، ووظيفة التعريف التغطية والإضمار. يعارض أورتيجا التعريف التقليدي للحصول على التصورات نظرا لأن وظيفة اللغة ليست في إعطاء معلومات بل في فك الحصار عن الفرد من أجل مشاركته مع الآخرين. لا تخضع اللغة لمنطق البرهان بل لمنطق الجدل أي الحوار بين الأنا والآخر، بين الإفصاح والإضمار، وبين الجلاء والخفاء، خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الخلف. واللغة بطبيعتها قادرة على التعبير عن المحكم والمتشابه، والظاهر والمؤول، والمقيد والمطلق، والمبين والمجمل على ما يقول الأصوليون وعلى ما هو معروف في علوم البيان والبديع والبلاغة. تفترض اللغة وجود المتكلم ووجود السامع ثم تأتي الكلمات بالمصادفة وقد يخون التعبير، ويساء استعمال اللغة بالحديث عن الكل ولا شيء أو الحديث للكل وليس لأحد كما هو في ظاهرة الثرثرة. اللغة جدل وحوار، ولكنه حوار خفي يجد الفرد فيه نفسه. لا يوجد حديث لكل الناس بل لفرد عين. والحديث عن الإنسانية والعموميات والأقطار أقرب إلى ديماغوجية عصر التنوير ومثاليات المفكرين الأحرار والرومانتيكيين مثل كانط ولسنج الذين لا يدركون حدودهم، ويتجاوزون مصيرهم، ويخلدون فناءهم.
وكتاب «ثورة الجماهير» هو أشهر مؤلف لأورتيجا ضمن مؤلفات جاوزت الثلاثين. ويمكن تصنيفها جميعا ومن خلال المترجمات الإنكليزية والفرنسية إلى مجموعات ثلاث يدور كل منها حول موضوع رئيسي وبصرف النظر عن ترتيبها الزماني.
5
المجموعة الأولى تدور معظمها حول الاجتماع والسياسة. وتأتي في مقدمتها «ثورة الجماهير» 1930م، «الإنسان والناس» 1940م، «موضوع عصرنا الحديث» 1928م، «الإنسان والأزمة»، «إسبانيا بلا عمود فقري» 1928م.
والمجموعة الثانية تدور حول الفلسفة، وتأتي في مقدمتها «ما هي الفلسفة» 1929م، «نشأة الفلسفة» 1943م، «بعض دروس الميتافيزيقا» 1923م، «التطابق والحرية» 44-1945م، «التاريخ باعتباره نسقا» 1941م، «تفسير التاريخ الشامل»، 48-1949م، «فكرة المبدأ في فلسفة ليبنتز وتطور النظرية الاستنباطية»، «كانط» 1930م.
والمجموعة الثالثة حول الفن والحضارة. وفي مقدمتها «محاولات إسبانية»، «في الحب»، «القضاء على إنسانية الفن» 1926م، «تأملات في دون كيخوت» 1914م، «ظاهريات الفن»، «فالاسكويز، جويا»، «رسالة الجامعة» 1931م.