Le Faire
أو تحقيق الحياة باعتبارها مشروعا. العقل الحيوي هو «الأنا في موقف»، يختار بين الممكنات، مهمته إدراك هذا العالم السابق على الحكم الذي حاول هوسرل في «التجربة والحكم» الكشف عنه وإعادة تكوينه. بل إن العقل المجرد نفسه هو إحدى صور العقل الحيوي. على هذا النحو يشير أورتيجا مع معظم الفلاسفة المعاصرين الذين يجعلون من الحياة انطلاقا لهم كما هو الحال عند برجسون، ووليم جيمس، وماكس شيلر، واشبنجلر، وجويو، وفوييه استمرارا لهذا التيار الذي بدأه دلتاي ودريش من قبل في القرن الماضي وجولد شتين في هذا القرن. والحياة هي الموضوع المشترك بين جميع الفلاسفة المعاصرين - كما كانت الرياضة هي العامل المشترك بين فلاسفة القرن السابع عشر - بصرف النظر عن أسمائها: «تصور العالم» عند دلتاي، «العضو» عند جولد شتين، «الدافع الحيوي» أو «التطور الخالق» أو «الذاكرة» أو «المعطى البديهي للوجدان» عند برجسون، «الإحساس الدرامي» عند أونامونو، «عالم الحياة» عند هوسرل، «الشخص» عند شيلر ومونييه، «الجسم» عند ميرلو بونتي، حتى الحرية أو العدم عند سارتر، والوجود أو الموت عند هيدجر هي أيضا بعض صور الحياة. وقد يبدو الجمع بين العقل والحياة مستحيلا طبقا لمنطلق «إما ... وإما ...» على التبادل كما هو الحال عند كيركجارد ومعظم اتجاهات الفلسفة المعاصرة. إلا أن أورتيجا يشير بالعقل الحيوي إلى شيء أشبه بالدافع الحيوي على ما يقصده برجسون وكأنه يريد الإبقاء على لفظ العقل تحت تأثير مدرسة ماربورج ودراسته للفلسفة الألمانية. يكفيه ربطه بالحياة ودون اللجوء إلى تراجيديا الحياة كما فعل أستاذه أونامونو. والحقيقة أن إحساس العصر بالحياة كنقطة بداية عند معظم الفلاسفة المعاصرين إنما نشأ بسبب حربين عالميتين كان مصير الإنسان فيهما معلقا بين الحياة والموت، ومن رغبة البحث عن معنى الأشياء بالعودة إليها بعد رفض عصر النهضة والفلسفات العقلية وعصر التنوير كل قيم مسبقة، وبعد انهيار القيم البديلة التي وضعها القرن التاسع عشر؛ إذ تحول العلم إلى آلة، والتقدم إلى غزو، والقوة إلى استعمار، والإنتاج إلى استغلال، والتضخم إلى حروب، والوفرة إلى انتحار، والتقدم إلى يأس.
ونتيجة لذلك، أعطى أورتيجا الأولوية للعقل العملي على العقل النظري كمعظم الفلاسفة المعاصرين. فالأفكار
ldées
لديه أقرب إلى العقائد
Croyance
منها إلى التصورات النظرية، والفكر
Pensée
أقرب إلى الحياة منه إلى المعرفة المجردة
Connaissance
3
وهنا يبدو أورتيجا مثل معظم الفلاسفة المعاصرين مع التحليل الوجودي الشائع الذى بدأه كيركجارد والقائم على تعارض الفكر والوجود. كلما فكرت ابتعدت عن الوجود أي عن الحقيقة، وكلما اقتربت من الوجود ابتعدت عن التفكير أي عن الزيف، وهو الموقف الذي لخصه كيركجارد في عبارته المشهورة «أنا أفكر فأنا إذن غير موجود»، ردا على عبارة ديكارت الأكثر شهرة «أنا أفكر فأنا إذن موجود». ولما كان كل فيلسوف معاصر يثبت موقفه المقابل للعقل بأخذ فيلسوف عقلي والجدال معه حول وظيفة العقل وضرورة الحياة كما هو الحال في الجدال بين كيركجارد وهيجل، هيدجر وكانط، سارتر وديكارت، هوسرل وديكارت، برجسون وكانط فإن أورتيجا سار على المنوال نفسه في حواره مع ليبنتز حول «فكرة المبدأ».
4
فكل فكرة فشل للحقيقة، وكل تصور خيانة للأشياء، والحياة العامة ليست فقط عقلية بل هي حياة خلقية وسياسية واجتماعية واقتصادية. إنما العقل محاولة للتقريب والفهم وليس بديلا عن العالم. إن التقابل بين العقل والوجود مثل التقابل بين الوهم والحقيقة. والمثل على ذلك أنه في رأي العقلانيين وأصحاب دوائر المعارف الله مجرد تصور أو تصور مجرد في حين أن أصحاب العقائد يرون أن التاريخ هو المطلق الحقيقي، وأن التاريخ هو واقع الإنسان، والله هو هذا التاريخ لأن التاريخ هو كل شيء، الماضي والمستقبل، الأول والآخر، البداية والنهاية؛ ومن ثم كان إنكار الماضي تناقض ووهم. فالماضي هو طبيعة الإنسان، يفرض نفسه عليه ولا يستطيع له دفعا؛ لذلك نشأت الحركات الدينية الإصلاحية وكأنها عود إلى الماضي وعود إلى البدائية والشيوع وكما هو الحال في الإسلام الأول والمسيحية الأولى.