تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويبدو أن تعبير «ثورة الجماهير» تعبير اشتباهي يوحي بالإيجاب والسلب في آن واحد. فهل «ثورة الجماهير» ظاهرة سلبية، وقد يكون هذا هو المعنى الذي يقصده أورتيجا، أم ظاهرة إيجابية وهو المعنى الذي يثير هوى النفس أشجانا وأحزانا؟ تعني «ثورة الجماهير» بالمعنى السلبي الجماهير في مقابل الفرد، والأغلبية في مقابل الأقلية، والدهماء في مواجهة الصفوة، والديماغوجية نقيض الأرستقراطية، التسطيح والتفاهة، الإنسان الآلي الأصم في مقابل العميق والنبيل، الإنسان العظيم الحركي الحر. في حين تعني «ثورة الجماهير» لدى شعوب العالم الثالث أملا وحركة وحياة. إذا كان المعنى السلبي هو المقصود فهل يجعل ذلك أورتيجا من دعاة النظريات العنصرية والفاشية والنازية والقائمة على الصفوة المختارة، القادرة بما تتمتع به من مزايا أن تقود الجماهير الصماء؟ هل هو من أعداء النظم الاشتراكية بوصفه للعامة بأنها دهماء آلية صماء؟ وماذا عن «ثورة الجماهير» التي طالما تغنت بها شعوب العالم الثالث في مرحلة التحرر من الاستعمار في القارات الثلاث؟ هل يقصد الوضع الراهن للجماهير في البلاد النامية وصلة طبقات الشعب الكادحة بالطبقات الجديدة في عصر ما بعد التحرر وبدايات الحركات الشعبية منذ أواخر السبعينيات حتى الآن؟ يمكن الإجابة على هذه الأسئلة بالبحث عن الظواهر الاجتماعية والسياسية التي يراها أورتيجا حاملة لثورة الجماهير. هناك احتمالان؛ الأول: أن ثورة الجماهير يشير أورتيجا بها إلى ثورات الشعوب في القرن العشرين، البلشفية في روسيا، وصعود النازية (الفاشية) في ألمانيا. وهو الاحتمال الأرجح نظرا إلى إشارات أورتيجا الدائمة إلى هاتين الثورتين دون الإشارات إلى ثورات سابقة مثل الثورة الفرنسية أو ثورة 1848م في ألمانيا. وبهذا المعنى يشير أورتيجا إلى ظاهرة أوروبية صرفة هي الفاشية والبلشفية دون الحديث صراحة عن النازية. ويدعم هذا الاحتمال نقد الاتحاد السوفياتي والدفاع عن الليبرالية الفردية، صراحة أو ضمنا دون أي نقد لأمريكا والغرب، باستثناء نقد أخلاقي شائع بالخواء الروحي والأخلاقي والمعروف عند برجسون وشيلر وغيرهما ممن بينوا «قلب القيم» في الوعي الأوروبي المعاصر. والاحتمال الثاني: هو ثورة الجماهير في الحرب الأهلية الإسبانية خاصة وأن أورتيجا عرف بأنه مفكر الجمهوريين وناقد الملكية في إسبانيا. والغريب أنه لا توجد شواهد على ذلك من نصوص أورتيجا. بل لا يكاد يشير إلى الحرب الأهلية الإسبانية وموقفه من الجمهوريين ضد الملكيين. أما كتابه «إسبانيا بلا عمود فقري»

The lnvertebrate Spain

فقد كتب قبل الحرب الأهلية دفاعا عن وحدة البلاد. فإذا كان أورتيجا مفكر الجمهوريين فإنه يكون لثورة الجماهير معنى إيجابي والحال ليس كذلك. في حين ألهبت ثورة الجمهوريين خيال المفكرين والأدباء كما هو الحال في رواية «لمن تدق الأجراس» لهمنغواي. حتى هذان الاحتمالان غير واضحين في «ثورة الجماهير». بل إن السؤال النهائي في الفصل الختامي «إلى أين ينتهي السؤال الحقيقي» والذي هو أشبه بخاتمة للكتاب كله لا يتضح منه غرض الكتاب، ولا يحتوي على الإجابة الرئيسية على: ماذا تعني ثورة الجماهير؟ أية ثورة وأية جماهير؟ وبالنسبة لنا في العالم الثالث لا نجد أيضا إجابة لهمومنا وهي حركات التحرر الوطني وما تولد عنها من ثورات مضادة في القرن العشرين. وماذا عن انتحار الشعوب وموتها جوعا وعطشا كما هو حادث في أثيوبيا وتشاد والسودان؟ وماذا عن نقل الشعوب خارج أوطانها ووضع شعوب أخرى محلها كما هو حادث في فلسطين؟

ومهما يكن من شيء، هل يمكن العثور على نسق موحد يمكن على أساسه فهم ماذا تعني «ثورة الجماهير»؟ إن نقطة البداية في فلسفة أورتيجا هي «العقل الحيوي» في مقابل العقل المجرد أو العقل النظري كما تصوره المثاليون. العقل الحيوي يثبت الفرد وواقع الأشياء في حين أن العقل النظري يقضي على واقعية الأشياء، هو العقل الرياضي الذي يحيل العالم إلى معادلات أو العقل الطبيعي الذي يحيله إلى رموز أو العقل الفلسفي الذي يحيله إلى تصورات. في مقابل هذا العقل التقليدي يضع أورتيجا العقل الحيوي، وهو أسلوب في التعامل، طريقة في الحياة أو الحياة نفسها. هو الفعل

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة · الصفحة ٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرةص ٩٢