Essaiste
أكثر منه فيلسوفا. خاطب أورتيجا عامة الناس لا خاصتهم، أساتذة كانوا أو رهبانا. ربما استطاع أورتيجا أن يجمع بين الأدب والفلسفة والصحافة في أسلوب جديد أعطاه شعبية كبيرة، وجعله أقرب إلى فلاسفة الشارع ومفكري الرصيف منه إلى أستاذ الجامعة وفيلسوف الرواق. كما أنه ربما استطاع الجمع بين أساليب الأدب والخطابة وبين طرق الفلسفة والبرهان بغية التأثير على الجماهير وكسبها في صف تياره الجديد. وهذا النوع من الكتابة يعطي صاحبها شهرة فائقة وجمهورا عريضا داخل وطنه وخارجه. وقد تصيب هذه الشهرة صاحبها ببعض الغرور فيتكلم في كل شيء، ويعرض الأفكار اعتمادا على مجهودات الآخرين. يكتب أي شيء؛ فالصحيفة موجودة، والقراء ينتظرون اعتمادا على سلطة الكاتب وبصرف النظر عن تحليل الموضوع. ونتيجة لقوة الدفع التي تتولد عن اتصال الكاتب بجمهوره قد تنشأ لديه رغبة لتملق الجماهير واكتساب ولائهم متنازلا عن الدقة الفلسفية والتحليل العلمي الرصين. وهنا يتحول الكاتب إلى فنان يحرص على جمهوره حتى وإن تنازل عن فنه، فيصبح الجمهور هو الذي يوجه الكاتب كما أن شباك التذاكر هو الذي يوجه الفنان. وقد يصبح الموضوع ذاته غامضا في الذهن بحيث لا يستطيع القارئ المتخصص أن يعرف ماذا يريد أورتيجا أن يقول فينتقل بين عديد من الموضوعات، يسهب في البعض دون البعض، ويغيب التركيز على صلب الموضوع. وتكثر أسماء الأعلام والشخصيات والدول والعواصم طلبا للعصرية وإيحاء بالأمثلة التي تصور تحليلات نظرية غامضة أو غائبة؛ لذلك غلبت على كتابات أورتيجا التحليلات السريعة، والانتقال من موضوع إلى موضوع بلا تعمق كاف. يذكر القارئ بما قيل سالفا وبما سيقال آنفا. ثم يعود ويرجع إلى الموضوع الأول بعد استطراد طويل وكأن ما يخطر بباله يعبر عنه دون ما بنية للموضوع أو تصور له؛ ومن ثم كانت كتاباته أقرب إلى الأدب الصحفي منها إلى المقال الفلسفي. مهمتها تنوير القراء وتثقيف العامة وخلق تيار فكري سياسي عن طريق الفلسفة واعتمادا عليها. فكانت أشبه بكتابات رسل المتأخرة عن السعادة والجنس والتربية والسلطة والفرد والحرب والسلام والبلشفية ... إلخ بعيدا عن الدراسات المتخصصة لجمهور متخصص. ومن جراء التعامل مع الفلسفة باعتبارها محاولات
Essais
فقد غاب المقال الفلسفي الذي يعتمد على مقدمات وينتهي إلى نتائج ويقوم على براهين واستدلالات، تطبيقا لخطوات منهج وانتقالا طبيعيا من فكرة إلى أخرى. ومع أن معظم الموضوعات المدروسة ملموسة وعصرية ويمكن الوصول فيها إلى نتائج محددة، إلا أن أورتيجا تعامل معها على نحو مجرد واسع وشامل بالرغم من انتسابه إلى المنهج الظاهرياتي لوصف الموضوعات باعتبارها تجارب شعورية حية، فردية واجتماعية مثل «ثورة الجماهير»، ولكن ليست كل كتابة وصفية ظاهريات. فالظاهريات للماهيات لا للوقائع، وإدراك للدلالات لا للأحداث، وذلك من أجل الوصول إلى بنيتها أو إلى مناطقها الوجودية.
وتعبير «ثورة الجماهير» يلقى هوى في النفوس خاصة لدى شعوب العالم الثالث في مرحلتها الراهنة وبعد الثورات الإسلامية في إيران وثورات السودان وهايتي والحركات الشعبية في كوريا الجنوبية ومظاهرات الطلاب والانتفاضات الشعبية في مصر والعالم العربي والإسلامي في السنوات الأخيرة والتي قد تستمر في التسعينيات ردا لاعتبار ثوراتها في الخمسينيات والستينيات وبعد انحسار الثورة المضادة في السبعينيات والثمانينيات. فالعنوان «ثورة الجماهير» مبهر؛ إذ إننا نعيش في عصر الجماهير. ومن منا لا يود ثورة الجماهير؟ ولكن العنوان البراق قد يخفي موضوعا أقل بريقا وأكثر غموضا. ونتيجة لإعطاء الأولوية للأسلوب على الموضوع أصبح الموضوع غامضا مسطحا، وأصبحت معظم العناوين خادعة، عناوين براقة وموضوعات عادية مثل «ثورة الجماهير» «الإنسان والأزمنة»، «الإنسان والناس»، «التاريخ باعتباره نسقا»، «التطابق والحرية»، «ما هي الفلسفة؟» «نشأة الفلسفة». وقد يكون أهم ما في الكتاب هو العنوان الذي أثار في الغرب الأذهان من قبل منذ الثورة الفرنسية وثورة 1848م في ألمانيا، وثورات الشباب في العالم كله في 1968م والذي ما زال يشد الانتباه بالنسبة للشعوب المقهورة غير المنظمة التي تسيطر عليها النظم الحاكمة بأجهزة الأمن والجيش والشرطة والأمن المركزي وأجهزة المخابرات العامة والخاصة.