وهكذا ينتهي فيورباخ من محاولته لإعادة الدين إلى الموقف الإنساني، وإعادة ملكوت السموات إلى ملكوت الأرض وهو ما حاوله الإسلام قبل ذلك بثلاثة عشر قرنا، وكأن الفلسفة الغربية كلها منذ الإصلاح الديني وعصر النهضة وفلسفة التنوير حتى فيورباخ والهيجليين الشبان ما هي إلا محاولة للاقتراب من إنسانية الإسلام وواقعيته ورفضه للكهنوت والأسرار وتأكيده للعقل والتوحيد. فسهام فيورباخ موجهة إلى الدين قبل أن يكتمل وليس بعد اكتماله وتحققه؛
اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا (المائدة: 3).
| ثورة الجماهير عند أورتيجا إي جاسيه1
| أولا: الكتاب، والأسلوب، والمنهج، والنسق
يعتبر أونامونو وتلميذه أورتيجا أشهر ممثلين للوجودية الإسبانية وللفلسفة الإسبانية على الإطلاق منذ سواريز
Suarez
في القرن السادس عشر. جعل الأستاذ فلسفته كلها تدور حول الفرد كما يتصوره كيركجارد ونيتشه وبسكال مأساة تنتهي في حشرجة الموت.
1
كما يعتبر أورتيجا أشهر فيلسوف إسباني معاصر. قال عنه كامو: «ربما يكون أورتيجا إي جاسيه بعد نيتشه هو أعظم كاتب أوروبي وفي الوقت نفسه يصعب أن يوجد كاتب أكثر إسبانية منه.»
ولد أورتيجا عام 1883م في مدريد. وبعد دراسة جادة للفلسفة في إسبانيا سافر إلى ألمانيا، ودرس الفلسفة، وتأثر بالفلسفة الحيوية عند دريش ودلتاي وكذلك بعلم الاجتماع الحيوي عند زمل
Zimmel
ونيتشه. كما تأثر بمدرسة ماربورج والتي كثيرا ما يشير إلى أعلامها مثل بول ناتورب وهرمان كوهين وإن لم يشر إلى كاسيرر. وبعد رجوعه إلى مدريد عين أستاذ كرسي للميتافيزيقا في الجامعة المركزية وظل يشغله حتى أتت الهجمة الدكتاتورية على الجامعة لإذلالها والقضاء على حريتها واستقلالها.
ثم أسس عام 1915م مجلته «إسبانيا» وجعلها منبرا له يعبر من خلالها عن فكره، ويقوم بدوره كباعث للفكر الإسباني سواء في ميدان الفلسفة الخالصة أو في ميدان العلوم الاجتماعية والسياسية. ثم أسس عام 1924م «مجلة الغرب» فأصبحت أكثر المجلات تعبيرا عن الحياة العقلية في إسبانيا كما فعل جان بول سارتر الشيء نفسه في «الأزمنة الحديثة». وبجوار المجلة قام بنشر مؤلفات عدة تضم مقالاته التي نشرها في المجلة من قبل مع مقدمات جديدة. وفي عام 1918م قبل دعوة للذهاب إلى بوينس آيرس بالأرجنتين لإلقاء عدة محاضرات في الجامعات الأرجنتينية لاقت رواجا ضخما خاصة في عامي 1928-1929م. وبعد سقوط الدكتاتور بريمودي ريفيرا عاد أورتيجا إلى إسبانيا ليشغل كرسي الفلسفة الذي تركه من قبل بسبب عدائه للدكتاتورية. وبدأ في كتابة سلسلة من المقالات تتعلق بالحياة العامة في مجلة «الشمس» وتركز كلها على نقد صريح للنظام الملكي، ومقالات أخرى حتى آخر ديسمبر 1930م كان لها أبلغ الأثر في إسبانيا ما قبل الثورة. ومنذ ذلك الحين أصبح أورتيجا شخصية سياسية عامة، وكون مع الدكتور مارانون
Maranon
والكاتب بيريز دي أيالا
Perez de Ayala
جماعة سياسية بعنوان «في خدمة الجمهورية». وقد كان لهذه الجماعة حوالي عشرة نواب في البرلمان الدستوري، ومن بينهم أورتيجا نفسه، ومنذ ذلك الوقت عرف أورتيجا خطيبا، وكاتبا، وسياسيا، ومفكرا، ورجل دولة. وبعد رفضه تولي كل المناصب التي عرضتها عليه الحكومة آثر أن يظل أستاذا جامعيا، ومفكرا حرا، كاتبا وناقدا. وتوفي أورتيجا عام 1955م.
وكتاب «ثورة الجماهير»
La Révolte des Masses
2
هو أشهر كتاب لأورتيجا. ولا يكاد يذكر اسم أورتيجا إلا ويذكر معه أنه هو مؤلف «ثورة الجماهير». وإذا ما أراد الناشر التعريف بكتاب أقل شهرة منه فإنه يشير إلى أن صاحبه هو مؤلف «ثورة الجماهير» حتى أصبح الكتاب نقطة إحالة لكل مؤلفات أورتيجا مثل «الإنسان والناس»، «الإنسان والأزمنة»، «موضوع عصرنا الحديث»، «رسالة الجامعة». ويعتبر، على حد قول إحدى المجلات الأمريكية بالنسبة للقرن العشرين بمثابة «العقد الاجتماعي» لجان جاك روسو بالنسبة للقرن الثامن عشر و«رأس المال» لماركس بالنسبة للقرن التاسع عشر. وهو ليس كتابا مؤلفا منذ البداية، يحتوي على مذهب متسق، بل هو مجموعة من المقالات نشرها أورتيجا في جريدة يومية تصدر في مدريد عام 1926م كما هي العادة مع كثير من الفلاسفة المعاصرين الذين استعملوا أساليب المقال واليوميات والتأملات والرواية والقصة والمسرحية ... إلخ، دون اللجوء إلى الأسلوب العقلي التقليدي القائم على تحليل التصورات والمفاهيم وبناء الأنساق. استعمل أورتيجا الكتابة الصحفية كأداة للتعبير. فالقدر الأعظم من مؤلفاته إن لم تكن كلها قد نشرت في الأصل في صحف إسبانية، خاصة في المجلة التي أسسها وهي «مجلة الغرب» التي ذاعت واشتهرت بفضل كتاباته. لم يكتب أورتيجا كتابا واحدا ذا أبواب وفصول. ولم يدرس موضوعا واحدا دراسة تصورية محضة أو تاريخية صرفة للجمهور الخاص بل كتب في معظم الموضوعات العصرية بأسلوب المقال للجمهور العريض. فهو بهذا المعنى كاتب