Exclusive ، والحب إثبات وضم وحنان. الإيمان يتعامل مع شيء خاص، ومع وحي خاص، ومع إله خاص، ولا يعرف ما هو عام ومشترك، والحب على عكس ذلك. الإيمان يحدد الإنسان ويقيده، ينزع منه حريته وقدرته على تقدير الآخر المنفصل عنه، والحب الضد من ذلك. الإيمان مغلق على نفسه. واللاهوتي سجين مذهبه، ويصوغ الإيمان موضوعه على أساس من المصلحة والأنانية بدعوى البحث عن السعادة في وجود شخص خاص. المؤمنون أرستقراطيون وغير المؤمنين من العامة، والله هو تشخيص المؤمنين على حساب غير المؤمنين. الإيمان مغرور بل وأعتى من الغرور الطبيعي لأنه يعتمد على موجود أسمى، المخلص والمنقذ، والكريم وصاحب الأيدي والنعمة. تواضع المؤمن إذن غرور مقلوب، تواضع ظاهري. الإيمان محدود، ومن خلال هذا التحدد يكون الله غير المحدود. الإيمان أمر ضروري ومن ثم فهو عقيدة. الإيمان أناني لا يبحث إلا عن خلاص المؤمن ولو غرق الآخرون. الإيمان كراهية (من ليس مع المسيح يكون ضده). الإيمان عداء للآخرين، موالاة للمؤمنين، ومعاداة لغير المؤمنين. الإيمان يعارض نصوص الكتاب المقدس باسم العقيدة ومن أجلها. الإيمان يكفر ويدين الذين لا يؤمنون، ويلغي ويطرد من الرحمة باسم حب المؤمنين وبغض الكافرين. الإيمان مجتمع مغلق، والمؤمن لا يعاشر إلا المؤمن. الإيمان عماد الحب وتحويله إلى طقس. الإيمان يقضي على الصلات الطبيعية للإنسانية، ويقيم بدلا عن العلاقة الشاملة علاقة خاصة بين الناس. الإيمان نفاق وادعاء، الإيمان تحيز ومحاباة. سبب الحروب الدينية والمذابح الطائفية، واضطهاد الفرق (المخالفة في الرأي). الإيمان تعصب لا يعرف التسامح، ومرتبط بالوهم والجنون والطائفية. الإيمان نقيض الحب، والحب صنو العقل (الإيمان تناقض في كل شيء. الإيمان واجبات أمام الله مناقضة للواجبات أمام الإنسانية. الإيمان تشخيص تمحي فيه الفضائل والأوامر الخلقية وتصبح شخصية خاصة. الإيمان معارض للأخلاق بالرغم من إيحائه للإنسان بالسعادة وهي في حقيقة الأمر سعادة وهمية. الإيمان على أقصى تقدير، لا يقدم إلا أخلاقا سلبية مثل الصبر، والتوكل، والتضحية، والعذرية، مظاهر فضيلة. هكذا يتناقض الإيمان مع نفسه ويتعارض مع الحب. الحب هو الأخلاق والإيمان هو الدين. الحب صفة والإيمان موضوع. الحب بلا إيمان، والإيمان بلا حب. الحب لكل الناس والإيمان لشخص خاص. الحب قانون شامل للعقل والطبيعة، جعله فيلون الفضيلة الأولى، كما جعل أرسطو الصداقة، وهي إحدى صور الحب، توحد بين السيد والعبد وكما جعل الفلسفة، وهي صورة أخرى للحب، توحد بين البشر، وعند الرواقيين يوجد الإنسان للآخر، ويدعو سنيكا لحب الجميع). الحب مباشر بلا واسطة مثل العقل في حين أن الإيمان في حاجة إلى توسط. الإيمان اغتراب لا يقضى عليه إلا بالحب. (9)
تطبيق أخير:
بعد هذه التناقضات يجب تجاوز ماهية المسيحية وماهية الدين بوجه عام. لقد برهن فيورباخ على أن مضمون الدين وموضوعه إنساني كلية، وأن سر الثيولوجيا هو الأنثروبولوجيا، وأن سر اللوجوس الإلهي الماهية الإنسانية، ولكن الدين ليس على وعي بالطبيعة الإنسانية بل يعارض كل ما هو إنساني، ولا يعترف بمضمونه الإنساني. إن تحويل مجرى التاريخ إنما هو في هذا الاعتراف العلني بأن الوعي الإلهي هو الوعي بالجنس (المنطقي)، وأن الإنسان يستطيع بل يجب أن ترتفع حدوده وفرديته وشخصيته ولكن ليس فوق القوانين والتحديدات الجوهرية لجنسه. لا يستطيع الإنسان أن يوجد أو يشعر أو يتخيل أو يريد أو يحب إلا ماهيته الخاصة باعتبارها مطلقة وإلهية. ويحدد فيورباخ موقفه من الدين بأنه ليس سلبيا بل نقديا، وأنه ليس هادما بل بناء. الدين هو الشعور الأول للإنسان بذاته لأنه شعور الإنسان بذاته، حب الإنسان لذاته، لذلك كانت علاقات الدين هي علاقات الأخلاق، وكانت علاقات الزواج علاقة مقدسة في ذاتها بطبيعة العلاقة وليس لأنه ديني. ويفكر الإنسان المتدين في الله لأن الله يفكر فيه، ويحب الله لأن الله يحبه. وكما أن الله غيور من الإنسان فإن الدين غيور من الأخلاق. إننا عندما نؤسس الأخلاق على اللاهوت والقانون على الشريعة الإلهية يمكننا في الوقت نفسه تبرير أكثر الأشياء ظلما وعارا وتأسيس اللاأخلاقية. إننا لا يمكن أن نؤسس الأخلاق على اللاهوت إلا إذا تم تأسيس الوجود الإلهي أولا على الأخلاق، وإلا استحال الحصول على مقياس للأخلاق واللاأخلاق، وتركنا الأمر للعبث والتعسف، وكأن فيورباخ هنا يعيد مشروع كانط للسلام الدائم بتأسيس السياسة على الأخلاق. إننا لسنا في حاجة إلى شريعة الدولة المسيحية بل في حاجة إلى شريعة الدولة العقلية العادلة الإنسانية. فالعادل والخير الحقيقي يحتوي على أساسه في ذاته وهو القادر على هدم الزيف والخداع الذي يفسد الإنسانية والذي يقتل في الإنسان قواه الحيوية. يجب علينا قلب العلاقات الدينية، وتفسير الوسائل على أنها غايات؛ فالماء ليس هو الماء المقدس في العماد بل الماء في الطبيعة. والخبز ليس هو الخبز المقدس بل هو خبز الجوعى. والجسد ليس الجسد المقدس بل جسد الإنسان العادي. والدم ليس هو الدم المقدس بل دم الشهداء والضحايا. إن الطبيعة في حاجة إلى الإنسان كما أن الإنسان في حاجة إلى الطبيعة. الطعام والشراب، هذا هو سر المشاركة!