التناقض في التثليث:
لا يموضع الدين أو اللاهوت ماهية الإنسان أو الله فقط باعتباره موجودا شخصيا، بل يعطي أيضا تحديدات أساسية لهذه الماهية في أشخاص. فالتثليث ليس إلا مجموع الفروق الجوهرية الأساسية التي يراها الإنسان في ماهيته. وهي تماثل التحديدات في الشخصية الإلهية. فتغترب الشخصية الإنسانية عن ذاتها بإدخالها هذه التحديدات في الشخصية الإلهية. الشخصية الإلهية لا توجد إلا في الخيال ولا توجد أيضا تحديداتها إلا بالخيال. التثليث تناقض من حيث إنه يضع تعدد الآلهة في تصور الإله الواحد، فيضع الخيال في العقل، ويدمج الأسطورة في الواقع. يفترض العقل وحدة الأشخاص ولكن الخيال يضع التثليث. وفي حكم العقل، هذه التمييزات من صنع الخيال، أي مجرد وهم في حين أنها في نظر الخيال وجود. يقتضي التثليث أن يفكر الإنسان عكس ما يتخيل، وأن يتخيل عكس ما يفكر، يقتضي التفكير في أشباح وكأنها موجودات حقيقية، فالعقل يستبعد تعدد الآلهة من الألوهية (ففي سر الثالوث المقدس بقدر ما هو حقيقة مستقلة عن ماهية الإنسان كل شيء فيه ينتهي إلى خداع وخيال وتناقض وسفسطة. وكأن فيورباخ هنا يرد على إعلاء الرومانسيين من شأن الخيال والحلم). (7)
التناقض في الطقوس:
وكما يتضمن الجوهر الموضوعي للدين تناقضات واضحة كذلك يتضمن الجوهر الذاتي تناقضات أوضح. وتناقضات الجوهر الذاتي للدين هي الإيمان والحب اللذان يتخارجان في الشعائر وطقوس العماد والمشاركة؛ فطقس الإيمان هو العماد، وطقس الحب هو المشاركة. الإيمان والحب هما عنصرا الدين الذاتيان. الإيمان هو الأمل بالنسبة للمستقبل ولكنه يتشخص ويتحول إلى وجود خاص كما تحولت من قبل ماهية الإنسان وتشخصت في الله. يتحول الماء من ماء طبيعي إلى ماء فوق طبيعي
Surhumain . وكما يوقعنا الدين في اغتراب عن ماهيتنا الخاصة وكما نغترب عن ذواتنا يغترب الماء عن ذاته ويتم ذلك أيضا بفعل الخيال. وكما يغترب الخمر فيصبح دما، ويغترب الخبز فيصبح جسدا إذ يتم ذلك بفعل المعجزة. لا يمكن فهم العماد بدون المعجزة، كما لا يمكن أن يحصل الإيمان بدون المعجزة إذ لا يعتمد على الذات ولا على النشاط المستقل أو على حرية الحكم والاعتقاد. المعجزة هي التي تجعلني أومن بحقيقة فاعل الأعاجيب
Thaumaturge . والملحد ينكر الله لأنه لا يجده في التجربة، ولا يريد الاعتماد على المعجزة. وإذا كان العماد للأطفال فالمشاركة للكبار، غرضها المشاركة في جسد المسيح، الجسد الحقيقي. فالمسيحي قبل الإفطار في الصباح وهو صائم يتمثل جسد المسيح بالتناول، بالفعل وليس بالروح وحده. الحقيقة أن ذلك لا يتم إلا في الخيال مثل تحويل الخمر إلى دم، والخبز إلى جسد. الإيمان قوة الخيال التي تحول الواقع إلى لا واقع، واللاواقع إلى واقع، وهو ما يعارض شهادة الحس وبرهان العقل. ينكر الإيمان ما يثبته العقل، ويثبت ما ينكره العقل. لقد استطاعت البروتستانتية أن تقيم مشاركة أفضل تتم بالكلام وباللغة وليس بالخمر والخبز. ومع ذلك فالنتيجة واحدة: الخرافة واللاأخلاقية. (8)
التناقض في الإيمان والحب:
بعد أن تكشف الطقوس عن التناقض بين المثالية والمادية، بين الذاتية والموضوعية، وهما يكونان ماهية الدين، فإن الطقوس ليست شيئا بدون الإيمان والحب. فالتناقض في الطقوس يؤدي بنا إلى التناقض في الإيمان والحب. ماهية الدين هي التوحيد ولكن الظاهر هو التفريق. فالله ماهية الإنسان المتوحد مع وجود ولكنه يعرف في الدين باعتباره آخر منفصلا. الحب يكشف عن ماهية الدين المتحدة بمضمونه، والإيمان يكشف عن وضعه وصورته (الحب يوحد بين الإنسان والله، والإيمان يفرق بينهما) ولما كان الله هو التصور الجنسي (المنطقي) الصوفي للإنسانية، فالتفرقة بين الإنسان والله تفرقة بين الإنسان ونفسه، وقضاء على الخير المشترك. بالإيمان يتناقض الدين مع الأخلاقية ومع العقل ومع الحس الإنساني بالحقيقة. والحب اتفاق مع الأخلاق والعقل والحس. الإيمان يعزل الله ويجعله موجودا خاصا آخر، والحب يفحم ويعارض هذه التناقضات ويجعل الله موجودا عاما. الإيمان يقسم الإنسان إلى قسمين؛ داخل وخارج، والحب يشفي جراح الإيمان في قلب الإنسان. الإيمان يجعل حب الإنسان لله قانونا، والحب يجعله حرية. ولا يدين الملحدون لأنهم ملحدون. ولأنهم يلغون على الأقل عمليا، إن لم يكن نظريا، وجود إله خاص معارض للإنسان. الإيمان يفصل، وبالتالي فهو خاطئ، يضع صورته في شكل عقائد صحيحة في مقابل أخرى خاطئة. والحب يجمع ويجد المضمون المشترك بين العقائد المتباينة. الإيمان نفي لا يسمح بقبول شيء داخله